أفكار ومواقفرأي في حياتنا

6 صور شخصية!

إبراهيم جابر إبراهيم

زمان، كانت “استوديوهات التصوير” تطبع 6 صور صغيرة و”كرت” لمن يطلب صورة شخصية لمعاملة رسمية. لا أعرف لماذا كانت 6 صور تحديداً؟ لماذا اتفقت كل محلات التصوير على فكرة الست صور وليس 5 أو 7 مثلاً؟ رغم أن بعض الاستوديوهات صار لاحقاً يطبع 4 صور و”كرت”!

ولم يكن “الكرت” يصلح للاستخدام في المعاملات، فكان يوضع في برواز ويُعلَّق على “الحيط” أو يُسند فوق “النملية” (أتحدث عن السبعينيات وأوائل الثمانينيات).

لاحقاً فهمت أن الرقم 6 كان مرتبطاً بحجم “الكرت” الذي كانت تُطبع عليه الصور الست متلاصقات ثم يجري تقطيعها بمقاس 4×6 بماكينة يدوية كالمقصّ، وقد عايشت تفاصيل كثيرة في “غرفة التحميض” حين عملت في صباي المبكر “مساعد مصور” لشقيقي الكبير الذي كان يملك “استوديو تصوير”، فعملت بيدي في تحميض وطبع وقصّ الصور في الغرفة الداخلية الصغيرة المضاءة بلمبة حمراء وتشبه غرفة الرعب في “مدن الملاهي”، كنت أستمتع بالمهامّ الموكولة إليّ وبالتصريح الخاص لدخول تلك الغرفة التي كانت تفوح منها رائحة “الأسيد” الذي ننقع فيه الصور، ثم نعلقها بملاقط على حبل قصير حتى تجفّ ويظهر البشر تدريجياً منها!

ومن الطريف في الأمر أننا حين كبرنا قليلاً، وصرنا “نتصوَّر” لمعاملةٍ ما، ونأخذ الصور الست في مغلف أبيض، كنا نسارع فور مغادرة “الاستوديو” لمقارنة هذه الصور الستّ ببعضها بعضا لنتأكد أنها متطابقة فعلاً، ونروح نحدّقُ فيها متذاكين ومحاولين البحث ولو عن اختلاف بسيط، رغم أننا نعرف أنها التقطت بـ”كبسة زر” واحدة!

كان الذهاب للاستوديو يتم فقط من أجل معاملة رسمية تحتاج لصور شخصية، وبخلاف ذلك كانت العائلات الميسورة تمتلك “كاميرا” في البيت لتوثيق مناسباتها السعيدة باستخدام “فيلم” 24 صورة، أو فيلم 36 صورة، يجري تحميضه لاحقاً في “الاستوديو” بدينارين!

وغالباً ما كانت هذه “الكاميرا” موضع استعارة بين الأقارب والأصدقاء، مع توصيات مشدّدة بالحفاظ عليها، ووضعها دائماً في جرابها الجلدي، ومسح عدستها باستمرار، ووو.. الخ، فهي في أغلب الأوقات “هدية” من أخ مغترب في السعودية أو الكويت، وتحظى لذلك بتقدير عاطفي مُضاعف!

بعد ذلك، اتسع الفارق الطبقي ليمايز حتى بين الذين يمتلكون الكاميرات أنفسهم، فصارت أنواعها وأشكالها كثيرة، وكان يتربع على رأس قائمة المتفاخرين ذلك الذي يملك “البولورايد” الفورية التي تخرج الصور منها فور التقاطها. بل كان يُنظر له كـ”ساحر صغير” وحين يجلس على الكنبة يضع رِجلاً على رِجل ويتاح له دون تردد أن يتحدث في “السياسة”!
من كان يصدّق أن هذا الهاتف الأرضي الكبير المتربّع فوق المكتب في استوديو التصوير، سيحدث له بعد سنوات قليلة ما حدث للديناصور الذي نقرأ عنه في المدارس، وسيحمل هؤلاء الناس جميعاً في أيديهم هواتف بحجم “الكرت”، تلتقط الصور أفضل مما كان يفعل المصورون في الاستوديوهات!

وأن غرفة التحميض المهيبة ستختفي، وكذلك الرجال الذين بسوالف طويلة، وبناطيل الشارلستون، والنظارات الشمسية الرخيصة، ولا أعرف أين ذهب كل ذلك العدد الضخم من الكاميرات الضخمة التي كانت تقف على مساند كبيرة مثل “رجل الفضاء”؟!

المقال السابق للكاتب 

“الفلسطينيون” “الجدد” و”الأجداد”!

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock