بعد 200 يوم من العداون.. تغير بطبيعة المواجهة بين حزب الله و"إسرائيل"

غارة إسرائيلية على جنوب لبنان
غارة إسرائيلية على جنوب لبنان

مع مرور 200 يوم منذ بدء الاشتباكات الراهنة بين "حزب الله" وإسرائيل جنوب لبنان، تصاعدت وتوسعت المواجهات تدريجيا وشهدت تغيرا كبيرا على مستوى الرقعة الجغرافية ونوعية السلاح.

اضافة اعلان


وكسرت هذه المواجهات قواعد الاشتباك، عبر تغييرات جذرية في طبيعة ومفهوم الاشتباك بين الطرفين؛ ما انعكس على المستوطنات الإسرائيلية الشمالية والجنوب اللبناني.


وتحتل إسرائيل منذ عقود أراضٍ لبنانية في الجنوب.


ومنذ 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، يتبادل "حزب الله" وفصائل فلسطينية في لبنان مع الجيش الإسرائيلي قصفا يوميا متقطعا؛ أسفر عن قتلى وجرحى، معظمهم في لبنان.


ويقول الحزب إنه يتضامن مع قطاع غزة، الذي يتعرض منذ 7 أكتوبر الماضي، لحرب إسرائيلية بدعم أمريكي، خلفت عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، معظمهم أطفال ونساء، حسب بيانات فلسطينية وأممية.


ووفق خبراء، فإن ثمة تغير أساسي بين حربي 2006 و2023، فلم تعد إسرائيل تمتلك منفردة السيطرة على الجو، إذ أسقط "حزب الله" 3 طائرات مسيّرة إسرائيلية من طراز "هرمس 450" بصواريخ أرض- جو.


وهذه أول مرة، يُسقط فيها "حزب الله" هذه المسيّرة، وهي ثالث أكبر مسيرة إسرائيلية، بعدما سبق له أن أسقط مسيّرات صغيرة عبر تقنيات الحرب الإلكترونية.
ولذلك، فإن إسقاط "هرمس 450" يعني تقييد حركة الطائرات الإسرائيلية في سماء لبنان، ولهذا قصف الجيش الإسرائيلي دفاعات جوية لـ"حزب الله" في البقاع (شرق)؛ ردا على إسقاط المسيّرة، حسب الخبراء.


وإسقاط "هرمس 450"، وفق الخبراء، ألقى الضوء على نظام الدفاع الجوي التابع لـ"حزب الله"، الذي نجح في السنوات الأخيرة في تطوير قدراته العسكرية بدرجة كبيرة مقارنة بالحال في حرب يوليو/ تموز 2006.


ويأتي التصعيد الراهن بين إسرائيل و"حزب الله"، المدعوم من طهران، عقب شن تل أبيب في 19 أبريل/ نيسان الجاري هجمات بطائرات مسيّرة تم إسقاطها في سماء مدينة أصفان وسط إيران، وفق مصادر متطابقة.


وفي 13 أبريل الجاري، أطلقت إيران لأول مرة من أراضيها نحو 350 صاروخا وطائرة مسيرة على إسرائيل؛ ردا على هجوم صاروخي اتهمت تل أبيب بتنفيذه واستهدف القسم القنصلي بسفارة طهران لدى دمشق مطلع الشهر نفسه.


ترسانة ضخمة


ورغم أنه لا يُعرف حجمها، إلا أن "حزب الله" يمتلك، وفق متابعين، ترسانة أسلحة ضخمة تمكن من تطويرها وتوسيعها على مدى السنوات الماضية، في مقابل امتلاك إسرائيل منظومة دفاع جوي متطورة.


وفي تصعيد لافت، استخدم الحزب في الأيام الأخيرة أسلحة جديدة للمرة الأولى، منها صواريخ "بركان" ومنصة الصواريخ "ثأر الله" و"فيلق" والماس 3 ".


واستخدم الحزب بشكل رئيسي الصواريخ الموجهة وقذائف مدفعية، وبشكل أقل صواريخ أرض- جو، ضد المسيّرات الإسرائيلية.


وقال الخبير الاستراتيجي العميد الركن المتقاعد هشام جابر للأناضول إنه "منذ حرب 2006، وسّع حزب الله بشكل كبير ترسانته من ناحية الكمية والنوعية".


وتابع أن "الحزب يمتلك أسلحة كثيرة لم يظهرها بعد، ويُقال إن لديه 10 آلاف صاروخ دقيق جهزها لضرب (مدينتي) حيفا وتل أبيب، في حال فتحت إسرائيل حربا واسعة لا يريد الحزب الذهاب إليها".


ورأى أن "إسرائيل تعمل على التصعيد، وليس حزب الله، في محاولة لاستدراج الحزب ليكون البادئ بالحرب؛ لأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يستطيع تحمل أن يكون المبادر لإشعال حرب يريدها".


والجانب الإسرائيلي، وفق جابر، "محشور جدا في شمال فلسطين المحتلة (إسرائيل)، ويتعرض لضغط كبير من النازحين الذي تجاوز عددهم مئة ألف، وتعطل الاقتصاد في 28 بلدة وقرية مهجرين من سكانهم (شمال إسرائيل)".


واعتبر أن "إسرائيل لا تستطيع الاستمرار في الحرب لوقت طويل، وخاصة أن نحو 45 ألف عسكري إسرائيلي موجودون في حالة استنفار دائم وتُستنزف يوميا جراء الخسائر التي تتكبدها".


وقال جابر إن "حزب الله متنبه إلى أن إسرائيل تريد أن تستدرجه ليكون البادئ بالحرب، ولهذا تذهب إلى ضرب العمق اللبناني في البقاع، أي على 200 كلم عن الحدود الجنوبية".


ولفت إلى أن "الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله قال في أحد خطاباته: إذا وسعوا وسعنا، ولكن لن نوسع بالجغرافيا، بل نوسع بنوعية السلاح وكمية الأسلحة المستخدمة".


وزاد بأن "حزب الله يرد على العدو الضربة باثنتين، ويوقع خسائر في جميع المستوطنات على طول الحدود اللبنانية، ويستهدف مراكز عسكرية وتجمعات لجنود، ولديه بنك أهداف واسع جدا، ولكنه لا يريد توسيع الحرب".


ومنذ أسابيع، تشهد حدود لبنان الجنوبية تصعيدا غير مسبوق بوتيرة ونوعية الهجمات المتبادلة بين "حزب الله" وإسرائيل، والتي ارتفعت حدتها مع ادعاء تل أبيب اغتيالها كوادر من الحزب في غارات متفرقة.


ورجح جابر أن "الوضع سيبقى على ما هو عليه حاليا، ولكنه يتوسع تدريجيا، وهي قصة عض على الأصابع (اختبار قوة التحمل)، ومَن يقول الأخ (يتأوه) أولا يخسر، والحزب حريص أن لا ينطقها حاليا، وخاصة أنه لن يفتح الجبهة".


تصعيد إضافي


أما الباحث في الشؤون الأمنية والسياسية العميد الركن خالد حماده فرجح، في حديث للأناضول، أن الوضع سيشهد خلال الأسابيع المقبلة "تصعيدا إضافيا، على الأقل من الجهة الإسرائيلية".


وأضاف أن "كل تصريحات قادة إسرائيل تؤشر إلى أن الجبهة اللبنانية أصبحت مؤثرة، ويريد الإسرائيلي أن يذهب بعيدا في اشتباكاته واستهدافاته".


ورأى أنه "في حال الوصول إلى اتفاق هدنة في غزة، سيكون لبنان عرضة لتصعيد؛ فالهدف البعيد في المنطقة أصبح هدفا أمريكيا".


وهذا الهدف، حسب حماده، هو "تأمين استقرار إسرائيل، ولن يبقى وضع الحدود مع فلسطين المحتلة، سواء في لبنان أو سوريا أو غزة، على ما كان عليه قبل 7 أكتوبر الماضي".


وقدَّر أن "حزب الله لم يستخدم سلاحا أو استراتيجية جديدة؛ فهو مقيد بما تسمح به إيران التي لا تريد التصعيد، بل المحافظة على الاشتباك حتى لو على حساب دماء اللبنانيين، لتحسين مفاوضاتها مع أمريكا".


وتابع أن "الحزب ينفذ ما تريده إيران؛ لأن لبنان هو الساحة الوحيدة التي تطل منها طهران على الساحة الإقليمية وتحاور الولايات المتحدة".


حماده اعتبر أن "العمليات الحالية (لحزب الله) ما زالت دون مستوى عمليات 2006، فليس هناك استهداف للعمق الإسرائيلي، بالرغم من ضراوة الضربات الإسرائيلية في العمق اللبناني".


وأردف: "إسرائيل تضرب كافة أهداف حزب الله في العمق من جزين (جنوب) إلى ساحل الشوف (وسط) والهرمل وبعليك (شرق)، بينما إيران تُلزم حزب الله بأن لا يذهب إلى مزيد من التصعيد ويبقى قتاله منضبطا".


واعتبر أن "جبهة لبنان هي الوحيد المشتعلة بالمنطقة، فاشتباكات غزة أصبحت محدودة ومعروفة الأهداف، وهي محاولة للضغط على (حركة) حماس لعلها تخفف شروط التفاوض وإطلاق الأسرى الإسرائيليين".


وتتمسك "حماس" بضرورة إنهاء الحرب، وانسحاب الجيش الإسرائيلي، وحرية عودة النازحين إلى مناطقهم، وإدخال مساعدات إنسانية كافية إلى قطاع غزة، فضلا عن إعادة إعماره.


ومنذ أكثر من 200 يوم، تواصل إسرائيل حربها المدمرة على غزة رغم صدور قرار من مجلس الأمن بوقف إطلاق النار فورا، وكذلك رغم مثولها أمام محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب "إبادة جماعية".-(الأناضول)