الرجل الفلسطيني الأكثر خطورة على الكيان

تعرف على القائد بهاء أبو العطا.. صاحب ضربات "الساعة التاسعة"

أرسى القائد أبي سليم معادلة القصف بالقصف، والاعتداء بالرد المباشر، والدم بالدم
أرسى القائد أبي سليم معادلة القصف بالقصف، والاعتداء بالرد المباشر، والدم بالدم
قصفت سرايا القدس الجناح العسكري في تمام الساعة التاسعة من مساء يوم أمس الثلاثاء مدن سديروت وتل أبيب وعسقلان المحتلة برشقات صاروخية كبيرة.
اضافة اعلان
وللساعة التاسعة قصة مختلفة مع حركة "الجهاد الإسلامي"، إذ إنّ قائدها العسكري السابق في المنطقة الشمالية بهاء أبو العطا، والذي اغتيل في 12 تشريت الثاني/نوفمبر من عام 2019، كان يوعز بإطلاق الصواريخ رداً على الانتهاكات الإسرائيلية والاعتداءات عند الساعة التاسعة. 




في يوم الجمعة الموافق الخامس والعشرين من نوفمبر من العام 1977م ولد الشهيد القائد بهاء سليم أبو العطا في حي الشجاعية، لعائلة مجاهدة مقدامة، نشأ وترعرع في ظل بيئة اجتماعية ثورية ووطنية أهلته ليكون قائداً مميزاً في وقت لاحق.

كبُر على حب الوطن وروح الفداء، وما إن أطبق سنواته العشر حتى اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى (انتفاضة الحجارة) فرأى ما رأى من غطرسة وبطش الاحتلال بحق أبناء عائلته وحيه وشعبه، كل ذلك زرع في داخله إنساناً ثائراً متمرداً على واقع الحال وجور الاحتلال.

انتمى الشهيد القائد بهاء أبو العطا لحركة الجهاد الإسلامي في سن مبكرة، والتزم في خلاياها التنظيمية مذ كان في سن السادسة عشر، ففي أحلك الظروف وأصعب الأوقات من عام 1990م انخرط القائد أبو العطا في صفوف حركة الجهاد وأصبح واحداً من أبرّ أبنائها وأشجع فرسانها.

لم يمنعه صغر سنه من المشاركة في الأعمال النضالية، فاعتاد كغيره من الشبان على رشق سيارات وآليات الاحتلال بالحجارة والزجاجات الحارقة، كما وشارك في الكتابة على الجدران وإلصاق البوسترات الخاصة الداعية لمقاومة المحتل والانتفاض عليه بكل الطرق والميادين.

أسرع الشهيد أبي سليم الخطى في العمل التنظيمي، فانضم سريعاً للإطار الطلابي للحركة وعمل في صفوفه حتى أصبح مسؤولاً عن الأنشطة الطلابية للحركة في مدارس الحي، ثم في مدارس وجامعات المدينة.

لم يلبث شهيدنا القائد أبو العطا كثيراً، فما هي إلا سنوات ويختاره الجهاز العسكري للحركة المُسمى آنذاك (القوى الإسلامية المجاهدة – قسم-) ليكون بطلاً من أبطاله، ومجاهداً في سبيل الله والحق والوطن وكان ذلك عام 1995م، ومنذ ذلك الوقت بدأت رحلته العطرة برفقة السلاح وصولاً للشهادة المباركة.

أبا سليم "الإنسان" المتواضع

تميز شهيدنا القائد بهاء أبو العطا بشخصيته الفريدة الفذة، فكان مبادراً جريئاً، مقداماً وشجاعاً، لا يخاف في الله لومة لائم، يملك كاريزما القائد المتواضع، سريع البديهة واضح المعاني ويعطي تفسيراً صحيحاً لكثير من الأحداث الغامضة.

كان شهيدنا القائد أبي سليم متواضعاً جداً مع رفاق دربه والمجاهدين، يحترم حضورهم, يعيرهم اهتمامه الدائم, شكل لهم القدوة الحسنة في جميع الظروف والأزمنة، عادلاً في حكمه بينهم، فلا يفرّق بين جندي وقائد، ويلتمس لهم الأعذار، يشاركهم مناسباتهم السعيدة والحزينة، ويلبي حاجاتهم بقدر ما يستطيع.

لم تكن شخصيته العسكرية ومكانته الجهادية حائلاً أمام رقة قلبه، فلم يعهد عليه – رحمه الله –قسوة القلب أبداً، رحيماً بالفقراء ويشعر بما يشعرون، الأمر الذي دفعة ليخصص جزءاً من راتبه ليتصدق به وينفقه على المحتاجين والمستورين.

تأثر شهيدنا كثيراً بالشهداء القادة من رفاق دربه، فعن حكاياته مع الشهيد القائد ماجد الحرازين قصَّ القصص والأحاديث، وعن علاقه بالشهيد القائد خالد الدحدوح قال ما قال كثيراً، أما عن تأثره بالشهيد القائد محمود طوالبة والشهيد القائد مصباح الصوري فقد كان واضحاً وضوح الشمس، يقتفي أثرهم, وينتهج نهجهم، ويسير على خطاهم، داعياً الله عز وجل أن يجعل خاتمته كخاتمتهم.

حمل الشهيد القائد أبي سليم هم الأسرى بشكل متواصل، فلا يغيب ذكر قضية الأسرى في أي لقاء يعقده، يحث المجاهدين دوماً على العمل الدؤوب لحريتهم، وهذا الأمر كان على سلم أولوياته، ويشارك المحررين منهم في مناسباتهم، يجتمع بهم ويتحدث معهم باستمرار عن معاناة الأسرى في السجون وكيف السبيل لحريتهم، يحاول أن يخدمهم أو أن يخدم عائلاتهم وأبنائهم بكل ما أوتي من عزيمة وقوة.

لم تكن فلسطين بالنسبة له الوطن المقدس فحسب, بل كانت همه الأكبر ومشروعه الرابح في الدنيا والآخرة, مثلت قضية فلسطين للشهيد الهواء الذي يتنفسه، يدور حيث تدور، يصول باسمها ويجول بحبها، الأرض والوطن كانا حديثاً يومياً للشهيد أبي سليم، وهما العهد والوعد والوفاء والطهر والبيعة بالنسبة له.

أبا سليم الفدائي والقائد

تدرج الشهيد أبي سليم في العمل العسكري لسرايا القدس فكان من أصدق جنودها، دائم الحضور في الميدان حتى أصبح قائداً لإحدى تشكيلاتها العسكرية، ونظراً لكفاءته وحنكته العسكرية أختير قائداً للواء غزة، ثم قائداً للمنطقة الشمالية لسرايا القدس وعضواً في المجلس العسكري لها.

قاد شهيدنا القائد أبو العطا العديد من جولات الصراع والمقاومة مع الاحتلال، فيشهد على ذلك صواريخ الفجر والبراق وبدر وغراد وغيرها، وتشهد مدينة "تل أبيب" المحتلة على صوته وهو يوعز للمجاهدين بقصفها لأول مرة في تاريخ المقاومة الفلسطينية، وليذبح بقرة الاحتلال المقدسة المسماة تل أبيب، وحين يخرج بندائه المعرف بـ"حفص" عبر اللاسلكي يرتعد الاحتلال ويخرّ جبروته ويعلن النفير بين جنوده.

"تاسعة البهاء"

أرسى القائد أبي سليم معادلة القصف بالقصف، والاعتداء بالرد المباشر، والدم بالدم، ولم تكن مسيرات العودة ببعيدة عن فعله، فجعل للتاسعة مساءً رعبها الخاص ورونقاً وطنياً لا مثيل له، فما أن تدق الساعة التاسعة من مساء يوم الاعتداء إلا وتعلو أصوات صافرات الانذار في كيان الاحتلال، تخرج الرشقات الصاروخية لتصوّب المسار وتؤكد أن الدم الفلسطيني حرام، واللحم الفلسطيني مر، صواريخٌ تعلو في سماء فلسطين ترسل رسائلها في جهات عديدة والتوقيع دائماً كان بهاء أبو العطا.

لم يكن هذا الحدث عادياً وعابراً في نفوس الفلسطينيين، فطالما أطلقوا على الساعة التاسعة مساءً بساعة البهاء، وتوقيت البهاء، ولم يتوقف ذلك حتى بعد استشهاده رحمه الله.

قائد الأركان ومزلزل الكيان

واصل الشهيد القائد بهاء أبو العطا مسيرته الجهادية المقاومة رغم تهديدات الاحتلال المتواصلة باستهدافه، ولم تثنه محاولة الاغتيال الفاشلة أثناء حرب عام 2012م على غزة، فظل متمسكاً بإرث الشهداء، يزداد صلابة على صلابته، وبأساً على بأسه، يحقق المزيد من الانجازات العسكرية والميدانية، ونتيجة لذلك فقد أربك منظومة الأمن الصهيونية، وشكل إزعاجاً بكل ما تحمل الكلمة من معنى للمؤسسة العسكرية الصهيونية.

وعند الحديث عن إنجازات الشهيد القائد من الناحية العسكرية فهي كثيرة، ليس أولها المشاركة في مقاومة الاحتلال قبل الاندحار من قطاع غزة، والمشاركة بنفسه في العديد من العمليات العسكرية، وتجهيز العديد من الاستشهاديين الذين نفذوا عملياتهم على حدود قطاع غزة، وفي الداخل المحتل، والتي أدت في النهاية لاندحار الاحتلال من قطاع غزة.

عمل الشهيد القائد أبو العطا على مدار سنوات عديدة على إعادة التشكيل العسكري لسرايا القدس ليبقي هذا التشكيل سرايا القدس في حالة تقدم وتطور بشكل دائم, من خلال تطوير المنظومة الصاروخية والمنظومة الدفاعية وحفر الأنفاق وإدارة النار في المعركة، وأشرف القائد أبي سليم على التجارب العسكرية الصاروخية وغيرها بنفسه، كما عمل على تشكيل عدة مجموعات عسكرية مقاومة في الضفة الغربية المحتلة.

كان شهيدنا القائد أبي سليم - رحمه الله – حريصاً على الوحدة الوطنية، مؤمناً أن العمل الوحدوي يؤلم الاحتلال كثيراً، فشارك بالإعداد والاشراف على العديد من العمليات المشتركة مع الفصائل الفلسطينية، كما كان له دورٌ مركزي في تفعيل الغرفة المشتركة للأجنحة العسكرية لفصائل المقاومة، وأثّر فيها كثيراً إذ كان متبنياً قضية مشاغلة العدو، والرد السريع على جرائمه في الضفة الغربية، وعلى أي اختراق للتهدئة المبرمة مع الاحتلال في غزة.

"أبا سليم" في عين الاحتلال

ظل اسم بهاء أبو العطا يتردد في نشرات الأخبار الصهيونية، فمع كل رشقة صواريخ كان يتردد اسم بهاء أبو العطا، مع كل عملية جهادية يتردد اسم بهاء أبو العطا، حتى أدرك الجميع أن الاحتلال يجهز لعملية غدر واغتيال القائد أبي سليم، وحين ذكر ذلك للشهيد أبي سليم، ضَحِك، ثم صَمَت.

لم يأبه كثيراً رحمه الله بهذه التهديدات، رغم أنه أخذها على محمل الجد، فواصل إذلال الاحتلال وقياداته، وأرغم من يسمى برئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو على الفرار والهرب خوفاً من صواريخ السرايا المباركة، وفي نفس الوقت بينما يهرب نتنياهو ويختبئ، رفعت الجماهير الفلسطينية الشهيد أبو العطا على الأكتاف احتفاءً به وتقديراً لمسيرته الجهادية.

ركّز العدو على القائد أبي سليم كثيراً، وصنفه بالقنبلة الموقوتة وأنه قائداً ليس عادياً، لا يقبل الاحتواء أو التنازل، كما وصفه بالرجل الفلسطيني الأكثر خطورة على الكيان.

أفرد إعلام الاحتلال مزيداً من تقاريره التي تسلط الضوء على الشهيد أبو العطا ومكانته العسكرية وخطورته، وهيأ جمهوره أن عملية اغتيال أبو العطا لن تكون سهلة ولن تكون مجانية، حتى وصل الأمر إلى أن تتحدث بعض التقارير على أن "عملية اغتيال أبو العطا ستكون عملية ثأر شخصي بينه وبين نتنياهو الذي أذله أبو العطا كثيراً".

شهيداً على طريق القدس

كل ما سبق جعل الاحتلال يفكر كثيراً قبل الإقدام على عملية الاغتيال الجبانة، ورغم التدابير الأمنية التي اتخذها الشهيد القائد إلا أن الاحتلال غدر به حينما عاد إلى بيته صباح يوم الـ12 من نوفمبر عام 2019م، واستهدفه بصواريخ نوعية أدت لارتقائه برفقة زوجته أم سليم وإصابة أحد أبنائه.

وباستشهاده خسرت فلسطين قائد أركان مقاومتها، خسرت القائد الشجاع الذي فرض معادلة الاشتباك مع العدو الصهيوني ولم يسمح بتغييرها، خسرت قائداً صاحب رؤية وخبرة وهب نفسه لدينه ووطنه.

ظن العدو أنه باغتيال أبي سليم قد يطوي الصفحة، ويحقق إنجازاً كبيراً، إلا أنه فشل فشلاً ذريعاً في ذلك، فبعد دقائق معدودة من تأكيد استشهاد القائد بهاء أبو العطا، أطلقت سرايا القدس معركة صيحة الفجر التي دكت فيها المدن الصهيونية المختلفة بعشرات القذائف والصواريخ، مؤكدة أن دماء الشهداء والقادة لا تزيد المقاومين إلا عنفواناً، وأن رجال وأبناء أبي سليم يستطيعون أن يربكوا حسابات العدو مراراً وتكراراً، ويواصلوا درب من سبقهم حتى الحرية إن شاء الله..

مضى القائد أبي سليم شهيداً كما تمنى، لحق بالأحبة الشهداء ورفاق الدرب وحفر اسمه بمدادٍ من ذهب في سجلات الخالدين على تراب الوطن، مضى مترجلاً بعد مسيرة طويلة من المقاومة والجهاد في سبيل الله، وسلّم اللواء لفارس جديد، يذل المحتل ويقود الجحافل للنصر والصلاة بالأقصى بإذن الله، فإلى رضوان الله يا شهيد فلسطين السائر على طريق القدس.. (أمد للإعلام)

اقرأ أيضاً: 
ماهي صواريخ "مُتبر 1" التي استخدمتها المقاومة لمواجهة طائرات الاحتلال ؟
القسام بالبلاغ العسكري 6: 35 مسيرةٍ انتحاريةٍ من طراز "الزواري" شاركت بالطوفان