صعود اليمين المتطرف يدفع المسلمين للبحث عن أماكن أكثر أمناً: فرنسا التي نحبّها ونهجرها

marinelepen720
مارين لوبان

صحيفة “التايمز” البريطانية تقريراً أعدته كونستانس كامفنر وآدم سيج قالا فيه إن المناخ المعادي للإسلام في فرنسا (الإسلاموفوبيا) يدفع الكثير من المتعلّمين المسلمين الفرنسيين لترك فرنسا، وبأعداد كبيرة، فيما يراه مؤلفو كتاب جديد بأنه “تجفيف للعقول”.

اضافة اعلان


وجاء في التقرير أن زعيمة “التجمع الوطني” مارين لوبان وأنصارها ينظرون للإسلام على أنه تهديد وجودي على الهوية الفرنسية، ولهذا فقد طرحت أفكاراً مثل منع الحجاب في الأماكن العامة، ومنع بناء مساجد جديدة، والأضاحي.


وسواء حقق اليمين الفرنسي المتطرف انتصارات في الانتخابات البرلمانية المقررة في 30 حزيران/يونيو أم لا، فإن “مناخ الإسلاموفوبيا” يدفع المسلمين الشباب والمتعلّمين للهجرة من البلاد، واستبدالها بأماكن أخرى مثل بريطانيا وكندا.


أستاذ جامعي: سنرى تزايداً في السلوك والكلمات المعادية للإسلام.. لقد كتبنا عن نساء بصق عليهن بسبب ارتداء الحجاب، وسيصبح هذا النوع من الأشياء أسوأ
وبحسب الكتاب الجديد “فرنسا نحبها ونهجرها”، فإن ظاهرة هجرة العقول هي بمثابة تجفيف عقول ومنابع، وفي هذه الحالة فهي هجرة بلد غني إلى بلد غني آخر.


ويعني تبني فرنسا لعقيدة اللائكية أو العلمانية أن العمل، أو الدراسة، أو ممارسة المحاماة، والحصول على وظيفة في مؤسسة حكومية أو شركة خاصة عدم إظهار الرموز الدينية.


وبحسب الكتاب، فالذين يقررون الهجرة هم من الطامحين والمتعلّمين جيداً، وذوي الميول الدينية.


وقال أوليفيه إيستفيز، الأستاذ بجامعة ليل، واحد من المؤلفين المشاركين، إنه يخشى من انتصار “التجمع الوطني”، والذي سيزيد من موجات الهجرة، وقال: “الذين يعارضون الهجرة يقولون عادة: لم نعد نشعر كأننا في وطننا”، وأضاف: “لكن هناك كثيراً من المسلمين الفرنسيين يشعرون أنهم لا يعيشون في وطنهم فرنسا”.
ويعيش في فرنسا أكبر مجتمع مسلم في أوروبا، تصل نسبتهم ما بين 7 إلى 10% من مجمل السكان، البالغ عددهم 67 مليون نسمة.


وكشفت دراسة مسحية، أجراها إيستفيز، أن سبعة من كل عشرة قرروا الهجرة اتخذوا قرارهم بسبب مناخ العنصرية والتمييز. وتحدث الكثيرون عن مناخ معاد تجاه المسلمين، والذي زادت حدّته بعد هجمات تنظيم “الدولة الإسلامية” في باريس عام 2015.


واتهم جوردان بارديلا، أحد تلاميذ لوبان، والمتوقع أن يكون رئيس وزراء فرنسا المقبل، الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فاندر لاين بمحاولة “استبدال جزء من سكاننا”، مستخدماً لغة القوميين البيض.


وقال إيستفيز: “سنرى، في الأشهر المقبلة،  تزايداً في السلوك والكلمات المعادية للإسلام”، وقال: “لقد كتبنا عن نساء بصق عليهن بسبب ارتداء الحجاب، وسيصبح هذا النوع من الأشياء، أسوأ”.


وتزعم الصحيفة أن فرضية إيستفيز في كتابه أدت إلى انقسام في الرأي العام، ذلك أن الحكومة لا تجمع بياناتها بناء على الدين أو العرق، وتفضل وصف كل المواطنين بـ “الفرنسيين”.


وقامت الدراسة على عينة من 1,000 مشارك، تم اختيار معظمهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ووافقت 140 امرأة لإجراء مقابلات طويلة ومعمقة. ولم يقدر إيستفيز أعداداً دقيقة حول المسلمين الذين هاجروا، إلا أنه قال إن عددهم يتجاوز “عشرات الآلاف”.


واتهم نعيم بستنجي، الكاتب في موضوع العلمانية، إيستفيز بأنه لم يتبع “الدقة” في تحليله، بل وأظهر “روحاً حزبية، بل متطرفة”.


ومهما كان رأي الرافضين للكتاب، فإن فرضيته ستترك صدى على الذين سيجتمعون الشهر المقبل في المسجد الكبير بباريس لمناقشة وضع المسلمين، والطريقة التي أجبروا فيها على الشعور بأنهم غير مرغوبين في بلدهم.


وقالت أميناتا سالي، التي نشأت في بلدة بري- كومتو- روبير ذات الغالبية البيضاء، إنها تنتظر على أحرّ من الجمر لمغادرة فرنسا، إما إلى بريطانيا أو عمان.


وتوضح الشابة، البالغة من العمر 25 عاماً: “لقد كان تراكماً لكلّ التجارب السلبية”، “وعندما لا أكون سوداء، فأنا مسلمة، وبعد ذلك فأنا أرتدي الحجاب، وأشعر أنني لا أستطيع التنفس”. ورغم ولادتها في فرنسا فقد أجبرت على الشعور، و”لأفهم أنني مختلفة”.


وأدى سلوك غير مقبول في قاعة الدرس مرة إلى طرد المدرسة لها إلى خارج الفصل، حيث أجبرت على متابعة الحصة في الثلج، وبدون معطف.


وفي الفترة الأخيرة، عندما قررت ارتداء الحجاب (حيث حذرها والدها بأن القرار هو انتحار اجتماعي) حاول رجل ركلها وهي في مترو الأنفاق. وتجارب كهذه جعلت سالي التي درست في جامعة السوربون، وهي في منتصف الطريق لإنهاء درجة الماجستير في العلاقات الدولية، تشعر بأنها كـ “حيوان”.


 وأدى نجاح  لوبان في الانتخابات الأوروبية إلى تقوية رغبتها لحزم أمتعتها، مضيفة: “حتى أكون صادقة، وجدت الأمر مثيراً للسخرية، ذلك أن الفرنسيين يتجهون هذه الوجهة ومن وقت طويل”.


ومثل غيرها من الذين قرروا الهجرة، فإنها تعترف بأنها مرتبطة عاطفياً بفرنسا: “أحب الطعام والثقافة والبحر”، و”أنا ابنة فرنسا التي هجّرتها أمها، وعليّ تقبّل أنها رفضتني”.


ووصف أستاذ المدرسة مهدي (39 عاماً)، ويعمل حالياً في بريستون، قراره مغادرة فرنسا بأنه ترك “حسرة في قلبي”، و”لا أعتقد أنني بكيت مثلما بكيت وأنا أنظر للسفينة وهي تغادر للأبد”، و”شعرت بالفشل، ولعدم قدرتي الحفاظ على علاقتي مع هذا البلد”.


وطالما صلى مهدي الصلوات الخمس كل يوم، وكان عليه في فرنسا أداءها “سراً”، و”عندما وصلتُ إلى بريطانيا شعرت بالحرية الكاملة”.


وتعيش عالية (42 عاماً)، مديرة الموارد البشرية في شركة دولية، في بريطانيا، عندما قررت قبل خمسة أعوام ارتداء الحجاب، حيث شعرت أن من الأفضل إخبار رئيسها مقدماً، لكنه ضحك وسأل لماذا تخبره.


وحافظ الكثيرون ممن هاجروا على علاقات مع فرنسا، ولكنهم يزعمون أنهم لا ينوون العودة إليها.


وتعلّق عالية: “أحياناً تفكر أن ما يفصل بين بريطانيا وفرنسا هو القنال، لكن في الحقيقة هما عالمان مختلفان”. وقالت إن “دمج المسلمين فشل”، و”لا يمكنك نبذ جزء من المجتمع، ولا تستطيع إخبار الناس أنه ليس بإمكانهم المساهمة إلا إذا تخلّوا عن جزء من هويتهم”.-(وكالات)