"فراحين غزة".. إنذار بتكرار مأساة القرى المهجرة منذ نكبة 48

شبان يتمركزون على حدود التماس مع الاحتلال في محافظة خانيونس (الفراحين) 2016
شبان يتمركزون على حدود التماس مع الاحتلال في محافظة خانيونس (الفراحين) 2016

مع كل خطوة يسلكها الغزي باتجاه الخلاص من طغيان المحتل، يكتشف لا محالة أن الإبادة الحاصلة لم تتخذ يوماً شكلاً واحداً فحسب، ففي القطاع المنكوب، أنتَ تقرأ مجلداً عن الفقد، قد تعجز أحياناً لغة الزيتون والحنّون عن تحمل ثقله، فحتى الحائط الذي يودّ الغزي إراحة ظهره عليه، تراه سويّ في الأرض وبات ركاماً.

مآسي الغزيين لا حصر لها، بودنا لو ندركها كلها لتصبح حديث صبحنا ومسائنا، لكنّ ما نعرفه أقل بكثير مما يحدث، ولأن ما نعرفه ليس بقليل، هذه قصة بلدة "الفراحين"، ابنة خان يونس الأبية التي رفعت عصيّ المقاومة فوق رأس المحتل، لكن الزمن جار عليها فأصبحت عرضةً لتهجير وشيك.. وزوال! 

نبذة عن الفراحين، وأهلها الأشاوس

تعتبر الفراحين منطقة نائية تقع إلى الشرق من بلدة عبسان الكبيرة شرق مدينة خانيونس، وهي متاخمة للسياج الفاصل مع حدود ١٩٤٨، إذ تبعد عنه حوالي ٦٠٠م.

يعيش في المنطقة عائلتَي أبو دقةً وقديح بتعداد يصل لحوالي ٢٥٠٠ نسمة، و يوجد بها ما يقرب ٤٠٠ منزل، ويعتاش سكانها على الزراعة.

يواجه سكان الفراحين منذ بداية الاحتلال، غطرسته وتجاوزاته، ففي الانتفاضة الأولى كانت المنطقة عرضة لاقتحامات واعتقالات، عدا عن ملاحقة أبنائها من المطاردين. وفي انتفاضة الأقصى، شهدت الفراحين اجتياحات كثيفة هُدِم فيها العديد من المنازل لأكثر من مرة واستشهد وأُعتقل العديد من أبناء المنطقة، وكان يُقابل هذا كله بالمقاومة والاشتباك والعمليات، والإصرار على البقاء.

اضافة اعلان

 

 

 

الفراحين قبل العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة 

 

في عدوان ٢٠٠٨ كانت الفراحين أول منطقة تُقصف بالفسفور الأبيض مما اضطرّ سكانها للنزوح، بعد أن احترق عدد كبير من المنازل، وفي عدوان ٢٠١٤ تكرر النزوح، وكانت عرضة للعملية البرية، وهدمت نسبة كبيرة من المنازل، وأَعاد السكان بناءها بإصرار أكبر على البقاء والمواجهة. كما كانت حدود الفراحين مع المناطق المحتلة أرضًا للتجمهر والمواجهة خلال مسيرات العودة التي انطلقت عام ٢٠١٨ وقدَّمت خلالها الشهداء والجرحى.

وفي العدوان الحالي، تعرضت المنطقة لعدوان متكرر من الجو والبر انتهى بتدمير حوالي ٩٩٪؜ من المنطقة وتحويلها إلى أراض فارغة، فيما يُعاني أهلها من قسوة النزوح والتشرد في المخيمات المنتشرة في رفح.

 


 

 


 

 

الدمار الذي لحق بالفراحين بعد العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة


يُطالب السكان، وهم يصرِّون على العودة إلى مناطقهم بتوفير مقومات البقاء من خيامٍ ومياه، وأن تنظر المؤسسات الرسمية والأهلية إلى حجم الدمار في المنطقة والعمل على تلبية احتياجاتها ليتسنى لسكانها الرجوع.

عُرِفت منطقة الفراحين بمقاومتها الشرسة على مر الزمان، فكان المقاتلين من أبنائها يصدون بصدورهم الاجتياحات، ومن حدودها كانت تنطلق العديد من العمليات الاستشهادية في المواقع العسكرية المتاخمة للمنطقة خلال فترة الانتفاضة الثانية، وفي عام ٢٠١٢ استهدفت المقاومة ناقلة جُند على حدود الفراحين بصاروخ موجهٍ، وتلا هذا الاستهداف لعدوان ٢٠١٢ على غزة.

أما في عدوان ٢٠١٤، فأوقعت المقاومة جنود الاحتلال في الكمين الذي اشتهر بعدها بِـ "كمين الفراحين"، وفي العدوان الحالي استبسلت مقاومتها لفترةٍ طويلة في صد العدوان، فجَّرت خلالها العديد من الآليات ونفَّذت الكثير من الكمائن، وحققت عملياتها قتلى واصابات في صفوف جيش الاحتلال.


أناس الفراحين.. مجبولون بكرامة البلاد 

تجد سكان الفراحين على قلبِ رجلٍ واحد في الأفراح والأتراح وكل المناسبات، حيث تشربوا التكاتف والتكافل، فهي وصية الوطن لهم، كما وتربطهم بالأرض علاقة وثيقة حيث يقضي معظم السكَّان معظم أوقاتهم في أرضهم.

وتعتبر المنطقة مزارا للناس حيث طبيعتها والأراضي الواسعة الخضراء إلى الشرق منها.

حافظت الفراحين على ثقافتها الفلسطينية الوطنية، حيث تُحيي المنطقة المناسبات الوطنية في كل عام، وتتمسك، بكلتا يديها، بتراث فلسطين الأصيل.

مخاوف التهجير

شاءت الأقدار أن تكون الفراحين متاخمة للمنطقة العازلة التي ينوي الاحتلال إنشاءها على طول السياج الحدودي، وبات كابوس التهجير يشغل بال قاطنيها "المهجرين مؤقتاً"، خاصةً عندما يفرد جيش الاحتلال عضلاته الزائفة، مطلقاً القذائف والرصاص الحي على كل من يحاول الرجوع إلى بيته، كما هو الحال في كل شبر من غزة، مدينة الـ365 كيلو متر مربع، فالقتل غدى بالنسبة للعدو كجريدته وقهوته، طقس يومي مغلّف بصمت أو تواطؤ وقِحَين.


المخاطر التي تتعرض لها الفراحين، تذكر الفلسطيني بنكبة العام 1948، والتي خلفت مئات القرى المهجر في الداخل، ما تزال شاهدة على وحشية الاحتلال وزمرته المسلحة، وهو المشهد الذي يخشى تكراره في غزة.

 

الفراحين.. ما قبل العدوان وبعده