فورين أفيرز: "إسرائيل" تكرر أخطاء أمريكا في تغيير النظام وعليها التعلم من تجربة غزو العراق

530547
جنود الاحتلال الإسرائيلي

نشرت مجلة “فورين أفيرز” مقالا مشتركا للجنرال السابق ديفيد بترايوس الذي قاد القوات الأمريكية في أفغانستان والقيادة المركزية وسي آي إيه مع ميغان أل أوسوليفان من جامعة هارفارد وريتشارد فونتين، مدير مركز الأمن الأمريكي الجديد، قالوا فيه إن إسرائيل تكرر أخطاء الولايات المتحدة في غزة من أجل تغيير النظام.

اضافة اعلان


فرغم أن إسرائيل لا تصف ما تقوم به في القطاع بأنه عملية تغيير للنظام، وهو المصطلح الذي لم يعد شعبيا بعد حربي العراق وأفغانستان، لكن ما يقوم به الجيش الإسرائيلي هو في الحقيقة عملية تغيير النظام وتفكيك قدرات حماس وحكمها الفعلي لغزة الذي مضى عليه عقدان تقريبا. وقال الكتاب إن الحملة الإسرائيلية في غزة مفهومة لأنها كانت ردا على هجوم حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر، تماما كما لم يكن لقادة أمريكا خيار بعد هجمات 9/11 إلا القيام بتغيير للنظام في أفغانستان والإطاحة بطالبان.


ولم تكن أفغانستان المكان الوحيد الذي حاولت فيه أمريكا تغيير الأنظمة، فهناك العراق وليبيا ودعم المعارضة السورية ضد بشار الأسد. وكانت هذه دموية ومكلفة وبدون نجاح كبير. وقالوا إن الحملات الأمريكية السابقة اتسمت بارتكاب أخطاء عدة تقوم إسرائيل اليوم بتكرارها، منها أخطاء صارخة ارتكبتها أمريكا في السنوات الأولى من احتلال العراق. وكما حدث مع أمريكا، فقد بدأت إسرائيل حملتها ضد العراق بدون خطة واضحة ولا رؤية لما سيأتي بعد، أو من سيحل محل حماس.


 وكما فعلت أمريكا بعد 9/11 تحركت إسرائيل بشكل حازم وبثمن إنساني فادح من أجل “تطهير المناطق من الإرهابيين”، ليعود إليها المسلحون بعد خروج الجيش الإسرائيلي. وقد عرفت هذه الإستراتيجية بـ “طهر وانسحب”.


وتعرضت إسرائيل لانتقادات دولية أكثر من أمريكا في العراق وأفغانستان بسبب أعداد الضحايا المدنيين. ويرى الكتاب أن إسرائيل تستطيع التعلم من النجاحات الصغيرة للولايات المتحدة في العراق، مثل عملية الدفع بالقوات الأمريكية عام 2007، مع أن المقارنات تظل محدودة الأثر لكنها تطرح الأسئلة الصحيحة.


فحرب المدن صعبة، لكن الدفع بقوات جديدة نجح في تحييد القاعدة والميليشيات الشيعية في الفلوجة والموصل والبصرة وبغداد، وتم تطبيق نفس الإستراتيجية بعد سنوات عدة في الموصل والرقة ضد تنظيم الدولة. وتظل معركة غزة أصعب من تلك المواجهات، نظرا للكثافة السكانية وشبكة الأنفاق التي أنشأتها حماس بطول 350 ميلا.


ومع أن إسرائيل نجحت بتفكيك قدرات حماس وكتائبها إلا أن هناك آلافا من مقاتليها الجاهزين للقتال. ولهذا فلن تستطيع إسرائيل تحقيق هدفها بتفكيك حماس عبر القوة المفرطة إلا في حالة منعها من إعادة تنظيم نفسها.

 

فقد تعلمت الولايات المتحدة في العراق أن النتيجة النهائية هي الأهم، فقتل الإرهابيين والمتمردين أو القبض عليهم لا يكفي.


والمفتاح الرئيسي للنجاح وتعزيز المكاسب الأمنية هو من خلال الحفاظ على المناطق وحماية المدنيين وتوفير الحكم والخدمات لهم. ومدخل كهذا يمنع الجماعات المسلحة من الحصول على حاضنة لها بين المدنيين لكي تعيد إعادة بناء نفسها. ففي غزة خاضت إسرائيل عمليات تنظيف ولكنها لم تسيطر على مناطق. وهذا يعكس ما حدث لأمريكا في الفترة ما بين 2003- 2006، حيث قام الجيش الأمريكي بعمليات متقدمة من القواعد العسكرية لكي يواجه أنصار القاعدة والميليشيات الشيعية. وكانت هذه تعيد تنظيم نفسها في اللحظة التي يخرج الأمريكيون من المناطق.


وفي عام 2007، غير الجيش استراتيجيته حيث تحرك من القواعد العسكرية إلى نقاط عسكرية صغيرة وبدأ يفرق بين المسلح والمدني وتوفير الأمن للأخير. فقد كان من الواضح أن الطريقة الوحيدة لتحسين حياة المدنيين وتقديم الخدمات لهم هي العيش بينهم. ولقياس النجاح، ركز العسكريون انتباههم على المدنيين وليس عدد القتلى بين الأعداء، والتفريق بين المجتمعات المتحررة منهم.


كما وشجع الضباط الأمريكيون رجال العشائر للتعاون مع القوات الأمريكية من أجل وقف القاعدة. ولمنع حماس من إعادة تشكيل نفسها، على إسرائيل التفريق بين مقاتلي الحركة والمدنيين والتعهد بتحسين الأوضاع الأمنية وحماية الناس. ويجب أن تصمم إسرائيل عملياتها لكي تخفض عدد القتلى بين المدنيين. ويظل الوضع في عراق 2007 وغزة اليوم مختلفا، ولا يوجد ما يضمن استجابة الفلسطينيين لجهود إسرائيل، ذلك أن تحقيق هذا يحتاج لوقت طويل. لكن ما هو واضح هو أن حماس ستواصل إعادة تنظيم نفسها طالما لم توجد قوة إسرائيلية أو غيرها قادرة على إعادة إصلاح البنى وتقديم الخدمات للمدنيين.


ففي العراق وأفغانستان أدى تحسن الأمن إلى زيادة الخدمات الصحية والتعليمية والتجارية وحرمان المتمردين من المناطق، وكذا إلى إصلاح القطاعات الصحية والنقل وعودة الحكم المحلي والمنظمات الإنسانية.


 فبعد 18 شهرا من دفع القوات الأمريكية تراجع العنف في العراق بنسبة 90% وظل على هذا المنوال لحين انسحاب القوات الأمريكية من العراق عام 2011. وعند هذه النقطة تراجعت مستويات التجنيد للمتمردين وبدأت القوات الأمريكية بتسليم المهام أو بعضها لقوات الأمن المحلية. وقد تدهور الوضع عندما انسحبت القوات الأمريكية، حيث مارس نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي في حينه أجندة تصعيد طائفية.


وكان الدفع بقوات أمريكية ضروريا لأن الغزو الأمريكي بدأ بدون خطة، أو أنه قام على فكرة تنصيب مجموعة من المنفيين العراقيين لتطبيق الديمقراطية، فيما اعتقد صناع سياسة في واشنطن أن أي نظام يظهر في مرحلة ما بعد صدام حسين ليس من شأن أمريكا. وقد ثبت خطأ هذا التفكير، فبدون قوات أمريكية تفرض الأمن وتمارس السلطة المباشرة، لن يظهر أي بديل ولا قوة داخلية، وبدلا من تحول سلمي للديمقراطية شهد العراق كابوسا اقتتلت فيه الجماعات المسلحة.
وقد فاقمت الخطوات الأمريكية الوضع من خلال حل الجيش العراقي وسياسة اجتثاث البعث. ومع انهيار مؤسسات الدولة كان على الأمريكيين تحمل مسؤولية الأمن وتفويض السلطات لمجلس الحكم الذي أنشئ عام 2003. وفي الوقت الذي تبحث فيه إسرائيل عن شركاء في غزة، عليها قراءة ودراسة مصير مجلس الحكم في العراق.


ويشير مسار المجلس إلى مخاطر بناء أشكال بديلة للسلطة والتخلي عن السلطة الوطنية بالكامل بدلا من إصلاح عيوبها. كما ويظهر تاريخ المجلس مشكلة تحمل المسؤولية السياسية في وقت كان فيه العراق يحتاج للأمن. ونظرا لأن لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل تريدان احتلالا لغزة، وترغبان بقوة خارجية تدخل لكي تتسلم القطاع، مع أن هذا الخيار غير قائم وإن على المدى القصير، فالحل هو أن تتحمل إسرائيل مسؤولية الأمن والحكم ولمدة قصيرة. ويجب على إسرائيل وأمريكا الاعتراف بهذا الواقع وإن لم يكن مستساغا.


ويقترح الكتاب على إسرائيل التخطيط لتحمل المسؤوليات في غزة وكذا تسليمها للفلسطينيين الذين يتم اختيارهم من الموظفين المدنيين الذين يقبلون العيش مع مرحلة ما بعد حماس وكذا تسليم الأمن لاحقا إلى قوات امن من غير حماس. وربما قامت إسرائيل بتشكيل إطار للحكم بدعم محلي أو خارجي.


ولن يتحقق أي من هذا بدون استقرار الوضع وشيوع الأمن. ومهما يكن فحملة عسكرية- سياسية لمحو حماس ومنعها من إعادة تنظيم نفسها وإعادة الخدمات وتشكيل حكم جديد وبداية الإعمار ستكون عملية ضخمة. فعملية دفع القوات في 2007 اقتضت نشر 30,000 جندي إضافي إلى جانب 135,000 جندي.


وفي المقابل لدى إسرائيل 15,000 جندي في غزة معظمهم من جنود الاحتياط. وفي النهاية تظل الموازنة تقريبية فغزة ليست العراق وإسرائيل ليست أمريكا وهجمات 9/11 تختلف عن هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر. كما أن أفغانستان بعيدة عن شواطئ أمريكا وغزة قريبة من إسرائيل.-(وكالات)