أثر ارتفاع درجات الحرارة على الأنشطة الاقتصادية

شهد الأردن كغيره من دول المنطقة، ارتفاعا قياسيا في درجات الحرارة خلال الأسابيع الماضية، متجاوزا المعدلات الطبيعية لهذه الفترة من العام. 

اضافة اعلان


يأتي ذلك في سياق التزايد الملحوظ في درجات الحرارة عالميا، حيث تجاوزت ظاهرة الاحتباس الحراري - إحدى مظاهر التغير المناخي - حاجز 1.5 درجة مئوية خلال العام الماضي، وسجل أعلى الأعوام حرارة في التاريخ. وتشير التوقعات العلمية إلى أن العام الحالي، قد يسجل ارتفاعات إضافية في درجات الحرارة. 


لا يخفى على أحد أن هذه الموجات الحارة أثرت بشكل كبير على مختلف مناحي الحياة.  فمن المعاناة الجسدية التي يعيشها المواطنون غير المعتادين على هذه المستويات المرتفعة من الحرارة، إلى التحديات الاقتصادية التي تواجه الأسر الفقيرة التي لا تستطيع تحمل تكاليف التبريد، وصولا إلى القطاعات والأنشطة الاقتصادية التي ستتأثر من انخفاض الإنتاجية وزيادة التكاليف.


إن جذور هذه الأزمة المناخية تعود إلى عقود طويلة من النشاط البشري غير المستدام، وعلى رأسها الاعتماد المفرط على الوقود الأحفوري. وهذا أدى إلى تراكم الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي، مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النيتروز والغازات الفلورية في الغلاف الجوي، والتي تقوم بدورها بحجز الحرارة المنبعثة من سطح الأرض وتمنعها من الهروب إلى الفضاء، مما يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض. 


ولعل الجانب الأكثر إيلاما في هذه الأزمة هو التفاوت الكبير في تحمل تبعاتها.  فبينما الدول الغنية المتسبب الرئيسي في هذه التغيرات المناخية، فإن الدول الفقيرة هي التي تدفع الثمن الأكبر. وهذا التفاوت لا يقتصر على الدول فقط، بل يمتد إلى داخل المجتمعات نفسها، حيث تكون الطبقات الفقيرة هي الأكثر تضررا.

 

وفي خضم هذه الأزمة، يبرز مفهوم "العدالة المناخية" كضرورة ملحة لتصحيح هذا الخلل وضمان توزيع عادل للأعباء والتكاليف الناجمة عن تغير المناخ.


ويمتد تأثير ارتفاع الحرارة ليشمل مختلف القطاعات والأنشطة الاقتصادية، فمن جانب سيؤدي الى زيادة تكاليف التشغيل، حيث تتطلب الحرارة المرتفعة استخدامًا أكثر للتبريد، مما يزيد من تكاليف الطاقة المستخدمة. كما تؤدي الحرارة الشديدة إلى تقليل كفاءة الآلات والمعدات، مما يزيد من تكاليف الصيانة.


وتؤدي الحرارة المرتفعة إلى حدوث إجهاد حراري وضربات شمس على قطاعات واسعة من العاملين، مما يسبب لهم أمراضا يدفعون ثمنها من جودة حياتهم. والحرارة المرتفعة أيضا تقلل من إنتاجية العاملين بشكل عام. وتحتاج مؤسسات الأعمال الى توفير بيئات عمل آمنة وملائمة، مما يزيد من التكاليف الإضافية لتوفير التبريد والراحة للعمال.


كذلك تؤثر الحرارة المرتفعة على إنتاجية المحاصيل الزراعية وتزيد من الحاجة إلى الري، في ظل نقص حاد في توافر المياه في الأردن والعديد من دول العالم، ما يزيد أيضا من تكلفة الإنتاج الزراعي.


تتطلب معالجة تأثيرات الارتفاعات الكبيرة في درجات الحرارة استراتيجيات تكيف شاملة، منها تطوير بنية تحتية مقاومة للحرارة، وتوفير بيئات عمل آمنة وملائمة للعمل، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتبني تقنيات الزراعة الحديثة إضافة إلى ذلك، على الحكومات والمؤسسات ذات العلاقة العمل على تعزيز الوعي بأهمية التحول نحو الطاقة المتجددة وتسهيل تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، لضمان مستقبل أكثر استدامة وأقل تأثرا بالتغيرات المناخية.


إن مواجهة التغير المناخي ليست مجرد رغبة وخيار، بل هي ضرورة ملحة.

 

فمستقبلنا ومستقبل أجيالنا القادمة يعتمد على قدرتنا على التكيف مع هذه التغيرات والتخفيف من آثارها.

 

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا