أغصان الزيتون لا تنهي الاستعمارات الاستيطانية (2-1)

تأسس الكيان الصهيوني في فلسطين نتيجة لكسب صراع عسكري. لم يتأمل قادة التيار السائد في مشروعه الاستعماري الاستيطاني الإحلالي بالتأكيد تأسيس كيانية جيوسياسية يهودية في فلسطين العربية بالطرق السلمية، لأن أي شيء يشبه ذلك هو خرفٌ أصلي. إن الاستعمار الاستيطاني ليس هو الاستعمار الاقتصادي/ التقليدي الذي يأتي ليستولى على معسكرات ومقرات إدارية محدودة يدير منها موظفوه وعسكره مشروعه الاستعماري الاستثماري.

اضافة اعلان

 

إن الاستعمار بهدف الاستيطان يريد كل المساحات -ويريدها فارغة: الاستيلاء على بيت وكل شبر من الأرض، بالضرورة بغير شاغلين، لكي يستقر فيها ويعمل مستوطنوه إلى الأبد. إنه مشروع يتعارض بنيويًا مع أي وجود لأصحاب الأرض، لأن المواطن الأصلي يشغل حيزًا ينبغي أن يشغله مستوطن. كل متر يفلحه أصلي ينبغي أن يفلحه مستوطن. كل شيء لمواطن أصلي ينبغي أن يصبح لمستوطن.

 

الاستعمار الاستيطاني يريد كل شيء وبلا مُطالِب، ولذلك يصبح ناجزًا، ويسترخي ويتطلع إلى التوسع فقط عند القضاء –حرفيًا- على آخر مواطن أصلي، ومصادرة آخر حيز في المستعمرة المستهدفة بقتل صاحبه -أو طرده بلا عودة على الأقل.

 


لمن يتحدث بـ«منطق» عدم استفزاز الاستعمار الاستيطاني كي لا يبطش بالمواطنين الأصليين (المقصود إحباط المقاومة): إن الاستعمار الاستيطاني بحد ذاته هو حالة اعتداء غاشم دائم على المواطنين الأصليين بقصد الإبادة لا أقل، لا تتوقف لحظة واحدة ولا تستطيع أن تتوقف. لو كان الاستعمار – أي استعمار- حالة يمكن التعايش معها لما قاومه أحد، ولما استقلت أي مستعمرة، بما فيها دول العرب التي ترفع الآن أعلامًا وطنية وتتباهى بمقاومتها. أما الاستعمار الاستيطاني، فلا يتيح، بالتعريف، حتى التعايش معه كخيار - انظر حال فلسطينيي 1948، الذين يحملون جنسية الكيان ويُعاملون بعنصرية. إنه تكوين يقيم وجوده على البطش بالشعب المستعمَر حتى إخراجه من الجغرافيا والوجود والتاريخ. ووسيلته الأساسية إلى ذلك هي الهجوم العسكري والعنصري غير المتوقف.


بأي منطق غير عسكري يمكن التفاهم مع هكذا تكوين؟ إذا فُهمت نظرية الاستعمار الصهيوني الاستيطاني الإحلالي في فلسطين بحقيقتها كما هي، فإن من العبث توقع أن يقدم مثل هذا النظام أي تنازلات طوعية – ناهيك عن إعادة كل الحقوق إلى أصحابها- وعلى أسس غير عسكرية. سوف تنهار الأنظمة العنصرية الاستعمارية فقط في حالة إخضاعها لضغوط عالمية وعزلِه بأبعاد كونية، ورفع أي حماية أو دعم عنها حتى الانهيار. ومن المفارقات أن أي اتجاهات إلى مثل هذا العزل في الحالة الفلسطينية لا تنشأ إلا في فورات اشتباك الفلسطينيين عسكريًا مع الكيان، التي تُظهر فيها طبيعته الإبادية الوحشية ومروقه على كل الأعراف الإنسانية والقانونية المقبولة وعدم أهليته للبقاء، كما حدث دائمًا ويحدث الآن.


في الحالة الفلسطينية، لا يلزم سرد نظرية الاستعمار لتفسير الإخفاقات في المشروع التحرري؛ كل شيء موثق تجريبيًا. بعد فشل الكفاح المسلح من الستينيات إلى التسعينيات بسبب محاولة الثورة والتحرير من خارج فلسطين، تحولت القيادات الفلسطينية السائدة إلى حل الصراع بالدبلوماسية والمفاوضات السلمية. واعتبرت عمليات السلام المختلفة، بما فيها مؤتمر مدريد 1991 واتفاقات أوسلو 1993، مسارات محتملة – بل المسارات الوحيدة- لحل دولتين يعترف للعدو بثلاثة أرباع فلسطين التاريخية. لكن هذه الجهود لم تنتج سوى استمرار التوسع الاستيطاني الصهيوني في الربع الباقي ومصادرة الأراضي وتطبيق سياسة الضم الزاحف خلف ستار «عملية السلام».. وقد فشلت بوضوح هذه المحاولات السلمية في وقف الضم المنهجي للأراضي الفلسطينية المخصصة في خرائط الطريق، بل وكادت تقوض القضية الفلسطينية جملة وتفصيلًا.‏ 


على مدى عقود أوسلو، كانت القضية الفلسطينية تتلاشى تدريجيًا من الوعي الدولي –والعربي، وأثبتت هذه العقود أنها إهدار مكلف جدًا للوقت والجهد والأرواح، حيث عمق الاستعمار الصهيوني وجوده وألحق الضرر بالفلسطينيين كل دقيقة، ولن يستطيع أحد إنكار أن المقاومة الفلسطينية المسلحة، على الرغم من كلفة الاشتباك، هي التي أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي. ومن المفارقات المفهومة أن تضحيات المقاتلين هي التي جعلت العالم يتذكر الطرف المناهض للمقاومة في رام الله، ويدعوهم إلى منصات الخطابة، وشغل مكاتب التمثيل في الدول التي تعترف بفلسطين بسبب المقاومة، وتطالب لهم بدفع الرواتب والمستحقات، وتتذكر أن هناك شيئا اسمه فلسطين وأن لها ممثلين – فقط ليقف هؤلاء على المنصات ليدينوا ويتبرأوا من مواطنيهم الذين ذكروا الناس بهم. من المؤكد أن هذا الموقف سيهدر أي احترام تكون قد جلبته المقاومة لأصحابه بكلفة الدم.


ينبغي أن يكون جناح «السلمية» و»المفاوضات» الفلسطيني قد اكتشف أنه بلا أي وزن من دون جناح عسكري مؤثر يسند قضيته التفاوضية. ومن الطبيعي أن من يحتاج إلى «تصريح VIP» يُسحب منه غب الطلب من سلطات الاحتلال، ويمكن لأي جندي بلا رتبة في جيش الاحتلال أن يوقفه ويفتش ملابسه ويصادر أسلحة حرسه، لن يكون له وزن في مفاوضات ولا في منصة تشريفات باحترام غير مختلق.

 

ولمن يحب أن يتذكر، عندما دعي ياسر عرفات ليتحدث في الجمعية العامة، وتحدث عن البندقية قبل غصن الزيتون، وقف ممثلو دول العالم في القاعة وصفقوا له دقائق طويلة جدًا.

 

لم يدينوا بندقيته – بل ربما احترموه من أجلها بالتحديد. وبالتأكيد يختلف ذلك المشهد عن الخطابات الباكية التي يعرضها أناس يؤكدون أنهم لا يدافعون عن أنفسهم ولا يريدون الدفاع عن أنفسهم، ويجردون أنفسهم من وسائل الدفاع لاستجداء التعاطف. ‏عندما اختار اليهود موقف الضحية في قصة الهولوكوست، فإنهم اختاروه فقط ليبرروا القتال والاستعمار والإبادة والوحشية، وليس حتى لقضية تحرر وطني أخلاقية ومشروعة، ونجحوا مرحليًا بالصلافة المحضة.

 

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا