إيران تحارب في أوكرانيا

د. محمد حسين المومني
تحارب إيران في أوكرانيا. تفعل ذلك من خلال إرسال طائرات مسيرة للجيش الروسي لمساعدة عملياته في حرب أوكرانيا، وهو ما أحجمت الصين عن فعله. إيران الآن جزء من الحرب شاءت أم أبت، وضعت نفسها في مرمى الاستهداف الغربي، الذي يعاديها أساسا بسبب برنامجها النووي.
غير واضح ما العقلانية -أو اللاعقلانية- والحسابات التي دفعت إيران لاتخاذ قرار بهذه الخطورة ولتحقيق أي أهداف، ونحن أمام اتجاهين لا ثالث لهما؛ فإما أن القرار الإيراني اتخذ ضمن حسابات واقعية سعت من خلالها إيران لكسب ورقة تفاوض مع الغرب آملة بأن يتنازل لها في ملف المفاوضات النووية مقابل أن تتوقف عن تزويد روسيا بالطائرات المسيرة، أو أنها اتخذت هذا القرار بسبب عدائها الشديد الايديولوجي للغرب الذي تسعى للنيل منه فوجدت الحرب في أوكرانيا فرصة سانحة لذلك.
النتيجة في كلتا الحالتين واحدة؛ مزيد من الخسارة والعداء العالمي لإيران، وتأكيد تطرف وعدم اتزان السلوك الإيراني، وانعدام الأمل بأن يتغير صانع القرار الإيراني وينحى للعقلانية.
أولى نتائج هذا السلوك الإيراني الخطير في أوكرانيا مناورات أميركية إسرائيلية بسيناريو حرب نووية مع إيران، وهذا أمر خطير بالمنطق العسكري. أما ثاني النتائج فكان استهداف مصنع الطائرات المسيرة وتدميره في إيران، في عملية عسكرية واضح من المستفيد منها وبالتالي من نفذها. هذا تحول كبير بعد عقود من عدم استهداف إيران من الداخل والاكتفاء بالتناوش معها بالخارج. إيران قد تعيد بناء المصنع الذي تم تدميره، لكن سيتم استهدافه وغيره من جديد إذا ما أخفقت إيران بقراءة رسالة التدمير الأولى. قواعد الاشتباك العسكري مع إيران تستمر بإعادة التشكل من خلال ما حدث من تدمير لمصنع الطائرات المسيرة، في رسالة معناها أن إيران تخطت حدود قواعد الاشتباك بمناصرتها روسيا في أوكرانيا، الأمر الذي أحجمت الصين ذاتها عن فعله. قواعد اشتباك أخرى رسمت عندما تم استهداف قواعد مناصري إيران وقواتها في العراق بعد أن اقتربت من تهديد القوات الأميركية هناك. إيران المنهكة اقتصاديا وسياسيا وعسكريا مستمرة بنهج يعاكس إحقاق طموحها في أن تكون دولة تجلس على طاولة القرار الإقليمي، وهي مصرة على منطق الهيمنة لا الشراكة، وهذا جعل محيطها يتوجس منها ويقاومها. سيبقى هذا هو واقع الحال الى أن يتغير النهج الإيراني الخارجي والداخلي، وهذا على الأرجح سيكون من خلال مطالبات داخلية ستنجح ولو بعد حين في دحر النظام الحالي وتحويل إيران لدولة طبيعية تسعى للأمن والاستقرار والازدهار تماما كما أي دولة طبيعية في العالم. ما حدث مؤخرا من تدمير مصنع طائراتها لا يهدف إلى تغيير النظام، وإنما رسم قواعد اشتباك، والتغيير للنظام الأرجح أنه سيأتي من الداخل المثخن بالجراح، فالإيرانيون يدفعون ثمن مغامرات نظامهم الإقليمية والخارجية على حساب عيشهم الكريم بعيدا عن البطالة والفقر وتردي مستويات المعيشة. المقال السابق للكاتب:  العنف لن يولد إلا عنفااضافة اعلان