إيران في الحسابات الفلسطينية والإسرائيلية

ماهر أبو طير

الذي يقول لك إن إسرائيل قادرة على تحمل كلفة ضربة عسكرية ضد ايران، يحلق في الخيال، ليس لأن ايران دولة عظمى قوية جدا، بل لأن اسرائيل غير قادرة بنيويا على تحمل كلفة هكذا ضربة ستقود المنطقة الى حرب.

اضافة اعلان


المعلومات تقول إن آخر ما ينقص اسرائيل هذه الايام، اشتعال الضفة الغربية والقدس وغزة، لأن حكومة نتنياهو وضعت ايران على رأس اولوياتها، وتريد زيادة موزانتها المالية، تمهيدا لضربة عسكرية ضد ايران، ضربة شاملة من النوع المباغت- اذا استطاعت تنفيذها فنيا وحدها- وفي الوقت ذاته يؤشر مطلعون على ان هذه الضربة المفاجئة، قد تكون حلا لنتنياهو ومعسكره، للخلاص من مشاكل وازمات داخلية في اسرائيل ذاتها، اضافة الى اعتبارات اقليمية معينة، ترى في الضربة حلا جذريا، لما تراه تل ابيب خطرا ايرانيا عليها.


هذا يعني ان كل المخاوف الاسرائيلية الآن تتركز على الداخل الفلسطيني، كون الانفجار الداخلي سيؤدي فعليا- حتى بدون تنسيق مع الايرانيين- الى عرقلة اي ضربة ضد ايران، كون اسرائيل لن تتمكن هنا، من التعامل مع جبهة داخلية في فلسطين، وفي الوقت ذاته التعامل مع تداعيات ضربة عسكرية ضد ايران.


بهذا المعنى تبدو اسرائيل مشلولة في الملف الايراني، خصوصا، ان ايران لديها جبهات مساندة في غزة ولبنان وسورية والعراق، واليمن، وهي جبهات قادرة على توسعة رد الفعل وفتح منصات ضد اسرائيل في توقيت واحد.


العوامل الاخطر التي تهدد نوايا اسرائيل بشأن ايران، ترتبط بأمن الاقليم، ذاته، والمنطقة، وكلفة توسع المشهد من ضربة عسكرية الى حرب اقليمية، في ظل مشاكل اسعار النفط، وامدادات الطاقة، وانشغال الاميركيين والاوروبيين، بحرب روسيا واوكرانيا، وهو انشغال قد يحلله البعض بكونه يمنح فرصة وثغرة لاسرائيل للعبور من خلالها، لتصفية حساباتها مع ايران، كون هناك اولويات عالمية مختلفة، لكن هذه الفرصة ايضا ثقيلة من حيث كلفتها في الميزان الدولي، ولا تحتمله حسابات العالم، الذي يتوقع ان يمر بعام صعب بكل التحليلات المطروحة.


مناسبة هذا الكلام، يرتبط بأمرين، اولهما ان اسرائيل ستحاول بكل الطرف اطفاء اي مواجهة داخل فلسطين في التوقيت الحالي، كونها تقف على مشارف مشروع اخطر بخصوص امن المنطقة وايران، ولا تريد فتح جبهة داخلية، وثانيهما ان ايران ذاتها تواصل التمدد في المنطقة، برغم كل الضربات التي يتعرض لها مشروعها ومخاوف الاسرائيليين من انجاز مشروع الاسلحة النووية في ايران، بعيدا عن الأعين، وهذا امر يضغط بشدة على اعصاب الاسرائيليين، الذين ينفذون عمليات ترقب وتجسس ضد ايران لمعرفة مستجدات مشروعها.


هناك رأي سائد لدى طبقة معينة من المحللين يقول ان لا ضربة عسكرية في الافق، ولا حرب في الاقليم، وكل ما تريده كل الاطراف الوصول الى تسوية وتقاسم المنطقة بين الاسرائيليين، والايرانيين، والكلام هنا يثير غضب المعسكر المحسوب على ايران، كونه يلمح الى قابلية ايران لعقد صفقات في السر مع الاسرائيليين.


جو المنطقة يشي بمؤشرات غامضة ومربكة، فالوضع على جبهات عدة ليس طبيعيا، وهناك اتصالات جارية، تقول لك ان هناك ترتيبات لمرحلة معينة، وكثرة تحاول فك سر التحليلات التي لديها، ولا تصل الى تصور نهائي، عما قد يستجد في هذه المنطقة، لكن الخلاصة تقول ان هناك امرا كبيرا قد يحدث خلال الفترة المقبلة.


الاقليم ايضا اصبح هشا، بسبب الازمات الداخلية السياسية والاقتصادية، في اغلب الدول، ولا ينقص هذه الدول اي حرب تحرق الاخضر واليابس، وهذه الازمات لا تستثني اسرائيل ذاتها من ظلالها وتأثيراتها.


ما يمكن قوله هنا بكل صراحة، ان حالة جدولة الازمات، قد لا تستمر خلال عام 2023، على مستوى العالم الذي بات يساند عسكريا اوكرانيا بشكل واضح ومؤثر، وكأننا امام حرب عالمية ناعمة تدار بالوكالة، وعلى مستوى الاقليم، الذي قد يخضع لعملية جراحية تجميلية، لا يضمن احد نتائجها النهائية، ولا كلفتها الاجمالية.


اذا رأينا اسرائيل تخفض حجم رد فعلها ضد الفلسطينيين، بعد العمليات الاخيرة، فهذا ليس بسبب خوفها من انتفاضة مسلحة، لكن بسبب خوفها من التوظيف الايراني لهذا المشهد، وبحيث يصبح الجانب الفلسطيني، “لاعبا اقليميا” هنا، يبعثر اوراق الاسرائيليين، في عز ما يراه “دورا وطنيا داخليا” على مستوى فلسطين.

المقال السابق للكاتب 

10 نقاط عن عملية القدس الأخيرة