الأحزاب و"الكلام لمجرد الكلام"

2c10d147-94d1-4117-a5f7-b81be107ceb0
تمارا خزوز

عن ماذا تتكلم الأحزاب السياسية اليوم، بل مع من تتكلم؟ كيف تقدّم نفسها للجمهور وماذا تقول عن منافسيها؟ هل تعلم ماذا يقال عنها وكيف تُقارَن بغيرها؟ أم أنها منغمسة في الحديث مع الذات! 
هل تدرك القيادات الحزبية أنها تواجه اليوم “أزمة خطاب” لإصرارها على تصدير رسائل تفتقر للمضمون السياسي المتجانس المرتبط بالقضايا الوطنية والإقليمية التي تهم المواطن؟ والحق أن بعض الأحزاب عمِل باجتهادٍ على تحليل وتشخيص هذه القضايا، إما من خلال ورش عمل أو أوراق سياسيات عامة، إلاّ أنه ما يزال يواجه فشلاً في إظهار هذا المجهود، حيث ما يزال خطابها مرتبكاً وغير واضح، وتجاوز ذلك عند البعض الآخر ليشكل انحرافاً نحو “الكلام من أجل الكلام”!
حالة الحراك الانتخابي المفرغ من المضمون يمثّل إحراجًا جديداً للجنة “تحديث المنظومة السياسية”، التي يبدو أن معظم أعضائها يبتعدون اليوم عن رصد وتقييم أداء الأحزاب ومتابعة “مجهود اللجنة” السابق أثناء التحضير لانتخابات برلمانية “عمادها البرامجية والأحزاب السياسية”، حيث من المفترض أنهم “الضامنون” لمنظومة التحديث السياسية، والتي حسب قولهم “تشكّل مرحلة جديدة ومفصلية ضمن مسارات تحديث الدولة، وتمضي بشكل متوازٍ مع الإصلاحات الاقتصادية والإدارية التي تعمل الحكومة على تنفيذها”،  فهل هذا تنبؤ غير معلن من قبل أعضاء اللجنة بفشل التجربة؟ وإذا كان الأمر كذلك من سيحاسب ومن سيتحمّل المسؤولية؟
من يراهن على أن هذه التساؤلات موجّهة للنخب فقط فهو واهم، فالمواطن العادي وهو صلب العملية الانتخابية أكثر ذكاء وأقل صبراً مما يعتقد الكثيرون! 
 إشكالية الخطاب السياسي هذه ليست مسؤولية الأحزاب وحدها، بل يُسأل عنها من خلق تشوّهاً معرفياً في المشهد السياسي عندما أُعيدت هندسة المشهد، تنفيذاً للرؤية الملكية، التي تقوم على التدرّج في بناء مجلس نيابي تكون أغلبيته حزبية، تمهيداً لتسلّم حكومات نيابية إدارة الدولة، لكنه أحدث فجوة بين الرؤية والتطبيق، ذروة هذا التشوه بدأت بالترويج المبالغ فيه لفكرة “البرامجية” في محاولة للابتعاد عن “الأيديولوجيا” وخلق تصوراً أن البرامجية نقيض للأيديولوجيا!
تشوهاً خلقته منهجية اعتمدت على “القص واللزق” من الديمقراطيات الأخرى، وابتكرت لنا “برامجية الأحزاب” بنسختها الأردنية، بشكل لم يراع ما يحدث من انتقال حاد من ثقافة “الصوت الواحد”، الذي ظلّ المجتمع الأردني أسيراً لها لعقود، إلى ثقافة “الأحزاب البرامجية” دون السماح بالمرور بمرحلة انتقالية يتم فيها تأطير المجتمع سياسياً؛ تأطير يبدأ أولاً بتقديم ضمانات للعمل الطلابي الحر، لينتج حراكاً سياسياً وليس عشائرياً، ولنا في تجربة الانتخابات الطلابية الأخيرة خير دليل على عدم سلاسة هذا الانتقال.
ومن نتائج هذا التشوّه أن الأحزاب السياسية الجديدة أعُدّت للحديث طوال العامين الماضين عن البرامجية وأصبحت جاهزة لذلك، لكنها اصطدمت بمتغير إقليمي لا بل عالمي وضعها أمام استحقاق أيديولوجي منذ السابع من أكتوبر.
هذا الانحراف الحاد في اهتمام الشارع الأردني لمتابعة الحديث عن الحقوق والسيادة والإبادة، والأولويات الأردنية والعلاقة مع المقاومة والسلطة أربك الخطاب السياسي ليس الحزبي فقط، بل الحكومي أيضاً وفي كل المنطقة، حيث إن الحضور القوي لتداعيات حرب غزة الذي ألقى ظلاله على المشهد الانتخابي سيتطلب حتمًا توضيحاً من الأحزاب السياسية، لمواقفها تجاه هذه الحرب وتبعاتها باعتبارها قضية أمن وطني تشغل الرأي العام. 
 العملية الانتخابية تقوم على صناعة حالة من الاستقطاب الشديد بين الخصوم، يفوز فيها من يكسب الرأي العام من خلال مخاطبة أحلام الناس وتفهم مخاوفهم، مما يضع الأحزاب السياسية اليوم أمام امتحان صعب ومواجهة حقيقة لا يمكن فيها الهروب من الأيديولوجيا، أو الابتعاد عن التموضع والاصطفاف السياسي بالتواري خلف “الكلام من أجل الكلام”.

اضافة اعلان

 

* مستشارة الاتصال الاستراتيجي والاعلام السياسي