الأمل الواهم بفائدة الانقسام في "إسرائيل"

تحاول بعض الأوساط ووسائل الإعلام العربية الترويج لفكرة أن أمل الفلسطينيين بالخلاص من الحرب وكل آلامها وأوجاعها يكمن بحصول انقسام داخل المجتمع السياسي والمدني الإسرائيلي، وتحاول هذه أن تبني منظومة من التوقعات والآمال على أن هذا السيناريو قادم وأنه في مصلحة الفلسطينيين، هذه القنوات وهؤلاء المثقفون تمكنوا من جعل الشارع العربي برمته يراهن على مثل هذا التغيير وما سيتبعه من تغيرات ذات طبيعة جوهرية في سياسة الدولة المحتلة، وهي تقوم يومياً بإشغال مساحات كبيرة من ساعات البث لنقل وتحليل ما يحدث وتصوره على انه ربيع قادم لمصلحة القضية الفلسطينية، وكنت  تناولت في مقال سابق عن الاحتجاجات  في إسرائيل بتاريخ 20 آذار في عام 2023 في جريدة الغد تحت عنوان (انقلاب في إسرائيل) الصراع بين التيارات المختلفة في دولة الاحتلال والأسس والحجج التي يتبناها كل طرف لكسر شوكة الطرف الآخر.اضافة اعلان
ومع طوفان الأقصى ازدادت الأدوات في يد كل طرف، فالجميع يستخدم تداعيات الطوفان ونتائجه للحصول على مكاسب سياسية تخدم مصلحته، فهم يكررون في كل لحظة بوجوب إعادة المختطفين والقضاء على حماس ومحاسبة المسؤولين عن حدوثه وغير ذلك، ومثل كل هؤلاء بيني غانتس حمامة الداعين إلى تغيير الحكومة في إسرائيل والذي يحاول أن يبدو كمخلص لإسرائيل من مليكها الفاسق (نتنياهو)، لكن دعونا نتمعن في أهدافه الستة للبقاء في الحكومة وتتلخص في إعادة المختطفين وحلّ حماس وإعادة سكان الشمال ونزع سلاح القطاع، وتحديد بديل لحكم غزة لا يشمل حماس وعباس اي السلطة الفلسطينية، طبعاً الحكم في غزة يشمل فقط الأميركان والأوروبيين والعرب وشخصيات فلسطينية ترضى عنها إسرائيل، وبالتأكيد الإشراف الأمني هو في يد إسرائيل ، أليس كل هذه هي أهداف نتنياهو بالضبط، لكن ما هو الفارق بينهما؟ طالما انه لا يعارض اجتياح رفح ولا عدم السماح للمساعدات ولا تدمير الأحياء المدنية ولا معارضة قيام الدولة الفلسطينية ولا إقامة المستوطنات ولا تهويد القدس، إذاً هما متفقان في كل شيء إلا شيء واحد وهو أن بيني غانتس وأيزنكوت يؤيّدان استخدام القوة بشكل مفرط لإنهاء الحرب بسرعة ولا ضير لو كانت على حساب مزيد من الضحايا من الفلسطينيين.
هذه هي استراتيجية الطرف الموصوف بالاعتدال في إسرائيل حتى يائير لبيد لن يؤيد ابداً أفكار مناهضة لما يقوله اليمين لكن الفارق هنا ان هؤلاء اكثر فهماً للشركاء الأميركان وبالتالي هم اقل استفزازاً لهم، وهذا هو جوهر اختلافهم عن نتنياهو ومعسكر اليمين المتطرف، بالتالي يجب التوقف عن التفاؤل بأن هذه التظاهرات في إسرائيل ستؤدي إلى نتائج لمصلحة القضية الفلسطينية أوعملية السلام، فعنوان المراحل ما بعد مقتل رابين أصبح واضحا فمن قتله أوقف ما وصفه بالتنازلات وبدأ مشروعاً آخر مختلفا ينسف ما قبله ويطلق ما يعرف بإسرائيل الكبرى والتي ستقوم على حساب الضفة والقطاع، وهم يخططون الآن لنسف آخر بقايا الماضي أعني السلطة الفلسطينية، هذا هو منطق كل ساسة إسرائيل في هذه المرحلة فشعارهم الوحيد هو إسرائيل الكبرى التي لا ترى أمامها سوى استيطان الضفة والقطاع وطرد الفلسطينيين.
في إسرائيل إذاً صراع على إشغال مراكز القوى بين تيارات متعددة دينية قومية وليبرالية، ومنطق صراعهم لا يتعدى حصول كل طرف على مكاسب سياسية أو اقتصادية وهم قادرون حتى الآن ان يديروا خلافاتهم داخل إطار لا يتعدى حدود السياسة، وهم في نفس الوقت يستمرون في إدارة صراعهم مع خصومهم الخارجيين، بل أن جُلهم  يستثمر لحظة غزة والطوفان ليصنع كل منهم طوفانه الخاص للانقضاض على خصومه السياسيين وللحصول على مكاسب بالضربة القاضية وهذه صعبة وبالتالي الذهاب لتقاسم النقاط وهي لم ولن تتعدى ذلك، وهي لن تكون ابداً لمصلحة الفلسطينيين ولا يجب الرهان عليها تحت أي ظرف من الظروف، لأن قناعتهم الوحيدة بأن الفلسطيني هو الخطر والعدو ويجب قتله أو تهجيره، وعلى هذا يتفقون ولا يختلفون ابداً، فلنتوقف اذاً عن الأوهام وبناء الآمال الواهية عليها.