الاستدارة في التصريحات

بعد دخول الشهر الخامس من المعارك على قطاع غزة - تلك المدينة المعزولة عن العالم منذ ما يقارب العقديْن من الزمن - كانت نتيجة هذا المعارك والاعتداء الغاشم عليها حتى اليوم تتجاوز المائة ألف ممن استشهدوا وأصيبوا وفُقدوا علاوة على نزوح ما يزيد على مليون ونصف المليون نازح من شمال القطاع إلى وسطه وجنوبه في رفح التي ترزح تحت نيران الصواريخ والمدافع والطيران الإسرائيلي الآن.

اضافة اعلان


هذه النتيجة ما كانت لتحصل لولا دعم «العالم» لإسرائيل وخاصة الدول العظمى منذ الساعات الأولى من 7 أكتوبر الماضي، بشرعنة عملياتها العسكرية وإعطائها الضوء الأخضر لفعل ما تريد، بالإضافة للدعم المعنوي من خلال الحج إليها لزياراتها وتصريحات الدعم المطلق لها، والدعم المادي والعسكري من خلال الجسور الجوية لها؛ فالولايات المتحدة الأميركية وأغلب الدول الأوروبية أعطتها الضوء الأخضر لفعل ما يلزم لضمان أمنها كما تزعم وتحقيق النتائج المزعومة منها لإنهاء أي خطر يهددها، ولكن اليوم وبعد أكثر من خمسة أشهر على المعارك على هذه المساحة الجغرافية الصغيرة اتضح أن إسرائيل لم تستطع تحقيق أي من مزاعمها وأهدافها من الحرب والمعارك الدائرة على هذا القطاع الأعزل.


وبخصوص النتائج التي حققتها فإنها واضحة وكارثية على المدنيين العزل من قتل ونزوح وتطهير عرقي وجرائم ضد الإنسانية، فظهر للعالم أن الطفل الفلسطيني معاقب عندما لا يحصل على شربة ماء نقية أو حتى دواء أو وجبة غذاء.


منذ ما يقارب الأسبوع بدأت الدول الراعية تظهر الاستدارة المعنوية بتصريحاتها تجاه الحكومة الإسرائيلية ورئيسها وأفعاله، من خلال تصريحاتها التي تطلب فيها أن تكون إسرائيل أكثر حكمة، وأنها بتصرفاتها تخسر الدعم الدولي، وهنا يتوجب عليها ضرورة إدخال المساعدات، والدعم الإنساني، ووقف العمليات ضد المدنيين.

 

الولايات المتحدة الأميركية من خلال إدارتها التي أعطت كامل الدعم للحكومة الإسرائيلية في بداية المعارك، بدأت بالاستدارة والتراجع ولو معنوياً عن تصريحاتها الداعمة لإسرائيل بشكل مطلق وذلك نتيجة الضغط الدولي، والمنظمات الدولية والأمم المتحدة، بالإضافة للشارع الأميركي جراء ما تقترفه إسرائيل من مجازر وجرائم ضد الإنسانية تبتعد كل البعد عن حق الدفاع عن النفس الذي بالأصل هو ليس حقاً لها كدولة محتلة؛ فالعلاقة الظاهرة غير المخفية التي هي بالأصل خلف الكواليس، اليوم ما بين الولايات المتحدة الأميركية والحكومة الإسرائيلية بحالة برود نتيجة عدم استجابة الحكومة الإسرائيلية لطلبات الولايات المتحدة والدول الراعية والأمم المتحدة، بضرورة التفكير بطريقة أخرى غير القصف العشوائي والعمليات العكسرية غير المحسوبة تجاه المدنيين، وإدخال المساعدات والجلوس على طاولة الحوار لإيجاد حل سياسي ينهي الصراع، وهذه الاستدارة بدأت أيضاً بالظهور من قبل الدول الأوروبية الكبرى من خلال تصريحات مسؤوليها سواءً فرنسا وبريطانيا إضافة للاتحاد الأوروبي من خلال المسؤول السياسي والخارجي له جوزيب بوريل الذي انتقد عدم انصياع إسرائيل للشرعية الدولية لأكثر من مرة، أضف إليه الأمين العام للأمم المتحدة المعروف بصاحب الكلمة غير المسموعة.


لا شك بأن هذه التصريحات والاستدارة المعنوية لا تسمن ولا تغني من جوع عدا عن عدم قدرتها على إيقاف شلال الدم الفلسطيني، لكون الدعم المادي والعسكري متواصلاً لإسرائيل، ولكن من الممكن البناء عليه لإحراج العالم والدول الراعية بضرورة وقف هذه المعارك فوراً.


بشكل يومي تحاول إسرائيل إقناع الداخل لديها والعالم أنها تحارب حماس ولها أهداف قريبة التحقيق، ولكن النتائج توضح بأنها تحارب المدنيين العزل والأطفال والنساء، ولم تحقق أي هدف معلن من قبلها لغاية تاريخ كتابة هذه المقالة، لذلك يجب على العالم التحرك فعلاً لإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني ووقف المعارك، ووقف الضغط على النازحين العزل في رفح التي ترزح تحت النيران الإسرائيلية؛ فحكومة اليمين الإسرائيلية يتضح بأنها تعمل وبشكل واضح ومعلن على تهجير الفلسطينيين خارج فلسطين ليكون ترانسفيراً ثالثاً بعد الأول في العام 1948 والثاني في العام 1967 لاستكمال مشروعها الكبير في قادم الأيام والسنين.

 

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا