الترجمة لثقافة مراهقة..!

علاء الدين أبو زينة ثمة تكريم كبير في تخصيص الثلاثين من أيلول (سبتمبر) من كل عام يوماً دولياً للترجمة. ففي ذلك اعتراف بالمهمة الكبيرة التي يضطلع بها المترجمون في العالم، والتي اصبحت – لفرط حضورها- غير ملفتة كشيء مفروغ منه. وثمة تكريم – ومسؤولية- في ثيمة يوم الترجمة لهذا العام: «عالَم بلا حواجز». لن يعني تذليل الحواجز الجغرافية والطبغرافية والطبيعية بين البشر الكثير من دون تذليل حاجز اللغة، وسيلة التفاهم الأساسية. وهذا هو ما يعمل عليه المترجمون. إنهم لا يستخدمون معرفتهم بلغتين للتفاهم الفردي مع الآخر اللغوي/ الثقافي فحسب، وإنما يعملون كوسطاء لمساعدة التعارف بين منتسبي الثقافتين والتفاهم البشري الجمعي في نهاية المطاف. ويمكن فقط تصور ما يمكن أن يكون عليه هذا العالم لو أن أصحاب أكثر من 7000 لغة في العالم لا يفهمون أياً مما يقوله الآخرون. إزالة الحواجز، على أي مستوى، هي عمل شاق –أكثر أو أقل. وفي حالة المترجمة، ثمة ما يكفي من العناء في تحمل مسؤولية التعبير نيابة عن الآخر دون الكثير من خيانته. وسوف يتطلب ذلك فهم ما يريد أن يقوله كما يريد أن يقوله، ثم إزالة الحاجز من أمامه ليقوله لنا. لكن ثمة مشكلة في اضطرار المترجم إلى الاعتذار للآخر على طريقة: أنا أفهم ما تقول، لكنني ممنوع من أن أنقله لثقافتي، لأنه يختلف عما نحن معتادون عليه. في الأماكن حيث تضيق مساحة الحريات، ترتفع الحواجز حول الحيز المتروك للترجمة مثل دائرة النار. ولا يُسمح للمترجم الذي يفلت ليتفقد العالم في الخارج بأن يقص الكثير مما يسمعه أو يراه في العالم الواسع باللغة التي يفهمها جمهوره. وسوف ينتقي – مكرهاً- «ما لا يتعارض مع قيم وثوابت وأعراف» الثقافة يعمل فيها. وبذلك، تُحرم الثقافة من تحقيق التعرُّف إلى الكثير من مكونات العالم على أساس أنه «مختلف»، أو يشكل خطراً على أعضاء الثقافة المحلية. فأي نفع من الاكتفاء بالتعريف بالمشابه فقط؟ مشكلة الترجمة، بهذا المعنى، هي جزء فقط من منظومة تعقد – خطأ- بأنها متعالية على الآخرين بالفهم والأخلاق والنظرة العالمية. وهي ترى أن من الممنوع مناقشة المسلمات المفروغ منها، مثل الدين أو رأي الساسة والنخبة. أو مناقشة الجنس، الذي تعتبر المعرفة به عيباً. ولذلك، ترجم ما شئت، ولكن ليس التفسيرات غير الغيبية للعام، ولا التحليلات السياسية التي تخطّئ حكامك، ولا الحوارات التي تناقش فلسفة الجنس حتى من أكثر المنطلقات علمية. وإياك أن تذكر في ما تنقل كلاماً خادشاً للحياء، أو مستفزاً للمشاعر الدينية، أو مثيراً للتأملات السياسية. وإذا ترجمت ولا بد، فاحذف كل هذا الكلام وهذا المحتوى وربما تقول: «تُرجم بتصرف». وقد قرأت تصريحاً لشخص يُستشار كـ»سلطة» في الترجمة، ينتقد فيه ما يصفه بأنه اضطرار المترجم أو المدقق إلى التخفيف من لهجة تصريح سياسي، «على حساب الأمانة»، ليناسب سياسة بلده. لكنه يشدد على أن تكون الترجمة «أمينة»، مضيفاً: «وتخلو من العبارات غير المقبولة أو المستساغة بشكل عام، مثل الشتائم الرذيلة أو المتعلقة بإيحاءات جنسية، لبعدها عن عاداتنا وثقافتنا». كيف ستكون هذه الترجمة «أمينة»؟! الأمر أشبه بأن يكون للمرء ابن/ بنت في سن المراهقة، ويعتقد أن وعيهم لم يكتمل بحيث يستيطيع الحكم على الأشياء. ولذلك يعمل على عدم تعريضهم للأفكار والمشاهد والتأثيرات التي يرى أنها يمكن أن تؤثر في تأسيس شخصياتهم وتحرفها عن المسار الصحيح. وقد يراقب هواتفهم، وماذا يقرأون، ومع من يتعاملون، ويحجب ما استطاع عنهم مما يراه خطِراً عليهم في هذه المرحلة الحرجة من الحياة. كذلك، يجب ألا يسمع العرب ولا أن يروا أو يسمعوا شيئاً يمكن أن «يخرب أخلاقهم» أو «يجعلهم يتأملون عقلياً في دينهم»، أو «يمكنهم من رؤية سياسات حكامهم من زاوية مختلفة أو يفهموا ما يجري عليهم وما هي علاقته بحركة العالم. إنهم يُعاملون، باختصار، كمراهقين تراقبهم سلطة أبوية مطلقة تفرض رؤيتها للمسموح والممنوع. وإلى أن تنضج هذه الثقافة وتبلغ الرشد – ولن تبلغه في أي وقت قريب- لك أن تترجم ما يصلح فقط لاستهلاك ثقافة مراهقة، حتى إشعار آخر! المقال السابق للكاتب  للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنااضافة اعلان