الثقافة كرأسمال بشري وتنظيم اجتماعي وأخلاقي

تواجه عمليات بناء وتكوين رأس المال البشري ليستوعب التحولات تحديات أساسية، لا تقف عند التدريب والتأهيل والاستثمار وتطوير التعليم، .. وكل المبادرات والأفكار والاقتراحات الإيجابية، ذلك أن التحولات الكبرى لم تقتصر على الأعمال والمهارات والمعرفة، لكنها تمتد عميقا لتغير في بنية المجتمعات والمؤسسات والمنظمات الاجتماعية والاقتصادية القائمة اليوم، فقد أصيبت هذه المكونات بضربة قاصمة ولم تعد قادرة على التنظيم الاجتماعي والأخلاقي للمواطنين، وتهيئة الفاعلين الاجتماعيين للقيام بمسؤولياتهم تجاه أنفسهم ومجتمعاتهم، والحال أنها ظاهرة عالمية لا تخصنا وحدنا، لكننا كما يبدو أقل اهتماما وشغلا بالظاهرة، وما زلنا نصر على تطوير رأس المال البشري لدينا من خلال مؤسسات ومنظمات (مثل المدارس والجامعات والشركات والوزارات ومنظمات المجتمع المدني والنقابات والجماعات الاجتماعية والدينية،..) تتعرض للتصدع والتغير بنفس القدر الذي تعرضت له الأعمال والمهن والأسواق، ولا بد أنها مقولة بديهية، لكنها برغم بداهتها تتعرض للإهمال والنسيان، ليس لأننا لم ندرك، لكنها حقيقة مؤلمة للمؤسسات والكيانات القائمة، وتضعها تحت طائلة المراجعة الجذرية، وسؤال الجدوى والمعنى، أو هل ستبقى، وإذا بقيت فكيف ستكون؟ لكن لا مفر من مواجهة الحقيقة ومتطلباتها؛ إذ لم يعد ممكنا أن تستمر هذه المؤسسات والأوعية في عمل لم يعد موجودا، أو لأداء أعمال وأغراض جديدة عليها ومختلفة عن روايتها المنشئة اختلافا كبيرا وجوهريا. اضافة اعلان
يمكننا اليوم ملاحظة مجموعة من الأحداث والظواهر التي تؤكد عجز المؤسسات الاجتماعية والسياسية عن أداء أعمالها المفترضة، مثل ظاهرة الانتحار وعمليات القتل غير المرتبطة بدوافع أو سوابق أو نزعات جرمية تقليدية، والتي تعكس بوضوح أزمة الفرد اليوم، وعجزه عن التكيف والانسجام، أو عجز المجتمعات والمؤسسات الاجتماعية والثقافية عن استيعاب المواطنين، والتي تقدم لنا رسالة صارخة أن هناك خطأ كبيرا لا نلتفت إليه، وبالطبع هناك ظواهر أخرى وصارخة أيضا، مثل التطرف والسلوك غير الاجتماعي، وضعف المهارات المعرفية والتعليمية، وترهل المؤسسات الخدمية، والغش وغياب الثقة والاتقان، وعدم الشعور بالرضا، والضعف المهني والتقني في الأعمال والأسواق وإنتاج السلع والخدمات، وانهيار المؤسسات التعليمية والثقافية وانحسار الدور الاجتماعي والمهني للنقابات،...
السؤال البديهي والأساسي؛ هل يجب أن نبحث عن بديل للأوعية والمؤسسات الاجتماعية والتعليمية والثقافية والتدريبية والمهنية؟ أم يجب أن نطور المؤسسات القائمة؟ إن الإجابة غير واضحة ولا يملكها أحد، فكما أن التغير في الأعمال والأسواق بسبب التقنية لم ينشئ بعد استجابة واضحة ومحددة، وليس لدينا اليوم ما نقوله لأجل ذلك سوى الإبداع، ولا نملك لأجل الإبداع سوى الاستثمار في تطوير التعليم والصحة، فإن ما نملكه لمواجهة العجز والشلل في التنظيم الاجتماعي والأخلاقي ليس سوى "الذات الفاعلة" بمعنى الاستثمار في الفرد ليكون قادرا على تمثل المعارف والمهارات والأخلاق الضرورية للتنمية وتحسين الحياة، ولا يبدو وعاء ممكن يجمع الأفراد والذوات الفاعلة سوى منظومة ثقافية مستقلة عن المؤسسات والنقابات والمدارس والجامعات والمعابد وسائر الهيئات والتشكيلات القائمة والمقترحة.
وعلى سبيل المثال فإن الوعي بأهمية وضرورة الصحة النفسية، ينشئ سلوكا واتجاها فرديا وجماعيا للتعامل مع المرض النفسي مثل المرض الجسدي، وكما تغير اتجاه الناس لعلاج المرض الجسدي من الحجب والتعاويذ والطلاسم إلى العلم؛ فإن علاج الأزمات والأمراض النفسية يجب أن ينتقل أيضا إلى العلم، وكما يقول طبيب الصحة النفسية علاء فروخ: كما أن التدين لا يعالج مرض السكري فإنه لا يعالج اضطرابات الشخصية أو السلوك القهري،..
ولا بأس بتكرار القول إن الثقافة تعني وعي الذات المنشئ للاتجاهات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولا تشكل العمليات الثقافية مثل الآداب والفنون سوى جزء قليل من المنظومة الثقافية.