الحرب في فلسطين والارتداد في الأردن

ماهر أبو طير
ماهر أبو طير

يسأل كثيرون، خصوصا، من خارج الأردن، عن السبب لحالة الانجماد الاقتصادي، والضرر المعنوي في الأردن، بسبب غزة والضفة الغربية، مقارنة ببقية الدول العربية؟.

اضافة اعلان


الإجابات ليست صعبة، فالأردن تاريخيا على صلة بالشعب الفلسطيني، وجزء من تاريخ الأردن في العصر الحالي، على صلة مباشرة بفلسطين، من حيث المشاركة في حربي 1948، و 1967، وحرب الكرامة، ووحدة الضفتين، والتركيبة السكانية الأردنية بكل مكوناتها، وما قدمه الأردنيون في تاريخهم لفلسطين، من حيث الدم والشهداء والتاريخ والذكريات، اضافة الى الجوار الجغرافي، وما يعنيه ذلك من تاريخ ممتد عبر مئات السنين، واستمرار تعريف اسرائيل في الوجدان الأردني الشعبي باعتباره مجرد عدو لا يمكن اعادة تعريفه هذه ثنائية، تمتد الى علاقات القربى، والنسب، والدم، والمصاهرة، والجيرة وجذور العائلات في البلدين، وغير ذلك، بما يعني ان هناك خصوصية للأردن وفلسطين، تتجاوز التوأمة اللفظية.


هذا يؤدي بطبيعة الحال الى اشتباك مختلف مع ما يحدث في فلسطين، إلا أن ما يعمق هذا الاشتباك ايضا، يرتبط بالمهددات الاسرائيلية التي تتعلق بالأردن مباشرة، خصوصا، مع المفردات الرسمية الأردنية حول "اعلان الحرب" على الأردن في حال حاولت اسرائيل تطبيق سيناريو التهجير نحو الأردن، ومصطلحات ثانية تتحدث عن جرائم الحرب الاسرائيلية، وكل هذا التصعيد في التعبير السياسي، يخلق حالة ضمنية من الغضب الشديد داخل الأردن، وصولا الى اتفاقات الماء والغاز، ومعاهدة وادي عربة، ومستوى الاخطار التي قد تحيق بالأردن اذا تفاقمت الامور اكثر، خلال الفترة المقبلة، وهذا يعني ان رد الفعل الأردني بقدر كونه يبدو فلسطينيا وشريكا في الالم مع فلسطين، الا انه أردني من حيث حساباته الخاصة.


هذه الاجواء تؤدي الى حالة توتر شديد، وتحوط ايضا من المستقبل، وهذا يفسر حالة الانجماد الاقتصادي، وتراجع المبيعات، بما يعني ايضا تراجع تحصيلات الضرائب، فلماذا سينفق الأردني اليوم على اشياء كثيرة، وهو يضع في حساباته امام كل هذا المشهد، احتمالات توسع الحرب، لتصبح اقليمية تشمل الأردن ايضا، واحتمالات التهجير نحو الأردن، ولماذا سيقوم اي أردني بتبديل سيارته مثلا، او اخذ قرض لشقة، او حتى انفاق ألف دينار على اي سبب، او حتى الاسراف في نفقات خطبة او زواج، او حتى الانفاق على عاداته اليومية، وهو لا يعرف ماذا سيحدث غدا، ويضع في حساباته احتمالات، تجعله يجمد اي سيولة بين يديه من باب الاحتياط، وتخوفا من المستقبل، وقد رأى بأم عينيه شعوب عربية تبدل ليرة الذهب التركية المعروفة، والتي تتجاوز قيمتها 400 دولار مقابل علبة دواء، او اسطوانة غاز في ظروف الحرب او الصراعات الداخلية.


هذا يعني ان العلاقة بين حسابات المستقبل، ولغة الخطاب الرسمي والاعلامي، وما تفعله اسرائيل في فلسطين، والمخاوف من تحول الحرب الى اقليمية، او حتى دخول الأردن طرفا، في حال انتقلت المعركة كليا الى الضفة الغربية، علاقة واضحة جدا، بما يفسر اجواء الضرر المعنوي، والانجماد الاقتصادي.


لو سالنا اهل غزة وجها لوجه عما يريدونه من الأردن لقالوا بشكل مباشر، انهم يريدون ان يبقى الأردن قويا، فهم لا يستفيدون اساسا من أردن ضعيف او هش، وربما يطلبون ان نبقى اقوياء لأجلنا، ولأجلهم ايضا في هذا المشهد، وهذا الكلام قد يبدو عاطفيا، امام المهددات الواقعية، لكنه يفتح الباب واسعا حول دورنا تجاه انفسنا هنا في الأردن، للحفاظ على الداخل الأردني، واعادة الحياة الى العصب العام، قدر الامكان، بدلا من استغراقنا في هذه الحالة.


كلفة الدم الفلسطيني اعلى من كل الكلف، فهي لا تقاس بضرر معنوي ولا انجماد اقتصادي، وارتدادات حرب غزة التي تشمل الأردن ايضا، بحاجة الى معالجة مختلفة، وخطة مختلفة، ليس عبر ادارة الظهر لغزة، وتناسي المذابح فيها، لكن عبر تمتين الوضع الداخلي الأردني على مستويات شعبية وسياسية واعلامية واقتصادية، من اجل ان يبقى الأردن قويا، فالأردن القوي مفيد لنفسه وشعبه، مثلما هو السند والظهير للشعب الفلسطيني في هذه المحنة.

 

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا