الخيانة

د.لانا مامكغ دخلت القاعة بثقةٍ وكبرياء، فارتفعت الأيدي بالتّصفيق الحار، وتعلّقت عيونُ المدعوات بها، لتُشرعَ عريفةُ الحفل في تقديمها، عبر سردِ تفاصيلَ مؤثّرة عن سيرتها النّضالية الطويلة الثّريّة في الدّفاع عن حقوق المرأة. استهلّت محاضرتَها بمقاربة المحطّات المفصليّة في معركة النّسوة لنيل حقوقهن، متطرّقةً إلى التّشريعات المتعلّقة بقوانين العمل، وقضايا الحقوق والأجور، وقانون الأحوال الشّخصيّة، والممارسات الرّسميّة التي تتغاضى عن أهميّة المرأة، وتُصادرُ دورَها الحيوي الخطير في المجالات كلّها. وختمت كلامَها لتعلنَ بنبرةٍ حاسمة: «آنَ الأوانُ لإنهاء التّغوّلِ الذي يمارسُ ضدّنا، ووضعِ حدٍّ لمواقفَ التّعنّتِ والتّجبّرِ والتّكبّر التي يُمارسَها صنّاعُ القرار ضدَّ المرأة، النّصفِ الأهم في المجتمع «ثمَّ وقفت لتضيفَ بصوتٍ عال: «سنقاومُ حتى النّهاية… لن نسكتَ، ولن نتخاذل، ولن نستسلم…» فعادَ المكانُ ليضجَّ بالتّصفيق المدوّي، والهتافات المندّدة بالطّغيان الذّكوري الظّالم! ثمَّ لتغادرَ القاعةَ مشفوعةً بعاصفةٍ من عبارات الإعجاب والثّناء، إلى أن استوقفتها شابّةٌ عند المدخل لتقول بحماسةٍ وتدفّق: «أحببتُ أن أخبركِ أنّكِ مثلي الأعلى يا سيّدتي، حتى أنّي قرّرتُ عدم الزّواج، كي لا أسمحَ لأيّ رجلٍ بالتّحكّمَ في حياتي ومصيري وأنفاسي!». ابتسمت بمودّة، محاولةً تهنئةَ الصّبيّة على موقفها، لكن لم تستطع مقاومةَ شعورٍ غامضٍ بالإشفاق داهمها فجأة… شعورٍ طاغٍ لم تستطع كتمَه تلك الّلحظة! وصلت إلى شقّتها، فلّفتها الظّلمةُ والبرودة، أنارت بعضَ المصابيح، لكن لم تتمكّن من إزالة العتمة التي بدأت بالتّراكم على روحها، تماماً كما يحدثُ كلَّ مرّة، ولو كان الأمرُ بيدها، لما عادت إلى المكان أبداً… نظرت حولها، تأمّلت الأثاثَ، الجدران، الّلوحات، السّتائرَ المسدلة الممّلة، التّحفَ البلهاء الصّغيرة… كلّها تبدو ساكنةً بليدة، مثل صورةٍ فوتوغرافيّةٍ قديمة، كلّها بلا روح، بلا حياة، قابعة في هدوء مقيت مثل هدوء المقابر! جلست مُطرقةً مستسلمةً لتداعيات صارت تعذّبها مؤخّراً؛ ماذا لو؟ ماذا لو ارتبطت بأحدهم وعاشت مثلَ أيّ امرأةٍ عادية؟ ليكن رجلاً مناسباً لها، أو غيرَ مناسب، كانت ستخوضُ معركتَها وتعيش… تعيشُ وتحاولُ وتنجحُ في أمرٍ، وتفشلُ في آخر، وتزعلُ وترضى، وتنجبُ وتُكملُ دورةَ حياتها، فتصبحُ أمّاً وجدّة لأطفالٍ يملأون قلبها بهجةً، في الوقت الذي يملأون فيه هذا المكانَ حياةً، وفوضى رائعة، وصخباً جميلاً! ماذا لو وصلت في مثل هذا الوقت، ووجدت من يُعاتبها على تأخّرها، لتعتذرَ منه، وتعدَّ له ولها العشاء، فيتبادلا حديثاً بلا معنى، ثمّ لتغفو قربه وهي تشعرُ بالألفة والأمان؟ وعادَ السّؤالُ ذاتُه ليفرضَ حضورَه وسط تداعياتها كما يحدثُ كلَّ مرّة، هل تنمُّ أفكارها هذه عن ضعفٍ أنثوي عاشت عمرَها ترفضه، وتشنُّ حروباً ضارية ضدّه؟ هل يُعَدُّ ما تفكّرُ به خيانةً للحركة النّسوية، ولمسيرة النّضال الطّويلة ضدَّ الرّجل؟ ونامت أخيراً، دون أن يُفارقَها شعورٌ ما بالذّنب!

المقال السابق للكاتبة

للمزيد من مقالات الكاتبة انقر هنا 

اضافة اعلان