"الشيطان الأكبر" ومصالح الأردن

شهد البحر الميت اجتماعا اقليميا مهما ضم السعودية ومصر والكويت والإمارات والبحرين الى جانب الأردن قبيل اسابيع من انعقاد القمة العربية في تونس في شهر اذار المقبل. على الرغم من اهمية الاجتماع فإن وزير الخارجية أيمن الصفدي اكتفى بالقول "الاجتماع كان بلا اجندة، وركز على نقاشات لتجاوز أزماتنا الاقليمية بما يحقق الامن والاستقرار". تسربت معلومات ان وزراء الخارجية بحثوا عودة سورية للجامعة العربية، وحضورها قمة تونس، وتداولت معلومات على نطاق واسع ان الاجتماع بحث "استراتيجية عزل إيران" قبيل الاجتماع الوزاري لتعزيز مستقبل السلام والامن في الشرق الاوسط الذي سيعقد في العاصمة البولندية وارسو 13-14 من شهر شباط/فبراير الجاري، ويتوقع ان يناقش قضايا الارهاب، والازمات الانسانية، الامن الالكتروني، وملفي سورية واليمن، وما سمي اميركيا "الانشطة الايرانية المزعزعة للاستقرار بالمنطقة". نتفهم ان يعقد اجتماع بهذا الثقل العربي في الأردن لبحث عودة سورية، والكارثة التي يعيشها اليمن، والاستبداد الاسرائيلي وتآكل فرص اقامة دولة فلسطينية مستقلة، فهذه القضايا اولويات عربية أردنية خالصة، لكن المخاوف ان تصبح الاجندة تضخيم العداء لإيران باعتبارها "البعبع" الذي يهدد العالم العربي، وفي ذلك التوجه نقل وحرف للصراع واولوياته، وهذا يريح اسرائيل ويؤهلها للدخول والتغلغل أكثر وأكثر الى عالمنا من بوابة الصراع مع إيران. السؤال الذي يجب ان يناقش أردنيا وان تنشغل النخب ومراكز البحث والدراسات في الاجابة عليه.. هل دخول الأردن في "ناتو" عربي لحصار وحرب إيران يشكل مصلحة للدولة؟ يعطي الأردن الآن اولوية للعلاقات التي تخدم مصالحه الاقتصادية والسياسية، ولهذا فإن الرهان على تعظيم التوافق مع العراق وسورية ربما يكون الهدف الاساسي الذي تعمل له الحكومة، لعله يكون "الحبل السري" لإنقاذ الاقتصاد الأردني من التراجع والازمات المستفحلة. من المفترض ان يوم أمس كان تاريخ نفاذ 15 اتفاقية متعددة وقعها رئيس الحكومة عمر الرزاز خلال زيارته الاخيرة للعراق، وبذات الوقت يرفع الأردن تمثيله الدبلوماسي مع سورية، فهل يمكن ان نحقق اختراقات اقتصادية مهمة مع البلدين إذا أصبحنا وكنا طرفا في محور إقليمي يجاهر بعدائه مع إيران؟! تعرف الدولة الأردنية قبل غيرها أن إيران لاعب مؤثر جدا في المنطقة، وفي العراق وسورية الدور الايراني الحاضر الأبرز، وتجاهلنا لهذه الحقيقة جعلنا نخفق، ونراوح بذات المكان في تطوير علاقاتنا مع العراق منذ سقوط النظام السابق، وسيتكرر نفس المشهد إذا غامرنا بالدخول بتحالفات ترضي اميركا على حساب مصالحنا واولوياتنا واجندتنا الاقتصادية والسياسية. الأردن أحوج ما يكون اليوم لمراجعة سياساته الخارجية، وقد يحتاج إلى إعادة التموضع بعيداً عن التحالفات المكشوفة، وربما قليلاً من الاستدارة لبناء تحالفات جديدة منتجة، فمثلما ادركنا مبكرا ألا نضع كل رهاناتنا في السلة الأميركية فيما يخص الملف السوري، وانفتحنا على روسيا بما يضمن مصالحنا وسيادتنا وأمننا، فإن المطلوب مقاربة أخرى تعيد تعريف الخصوم والأعداء والأولويات السياسية، فلا نصبح حجر الرحى في معارك الرئيس ترامب والإدارة الأميركية، التي تشيطن ايران وتصنع منها العدو رقم (1)، وتلمع اسرائيل وتروجها على انها الصديق رقم (1)، ومن يدفع ثمن ذلك الأردن حين تصبح قضية فلسطين على الهامش، تمهيدا لفرض حل على حساب الشعبين الفلسطيني والأردني. البوصلة الأميركية في الشرق الاوسط تائهة ومرتبكة وخاطئة، وهي ليست بوصلتنا، وان كانت لدينا ملاحظات على السياسات الايرانية واجندتها واستقطاباتها وتدخلاتها، فإن هذا لا يجعلها الشيطان الأكبر، فنعاديها ونصافح اسرائيل.اضافة اعلان