الطبقة الوسطى بلا غطاء حكومي!

محمود الخطاطبة ما تزال الطبقة الوسطى، التي تُعتبر أمانا اقتصاديا واجتماعيا لأي مُجتمع، تتعرض لصدمة تلو الأُخرى، وهي ماضية في التلاشي أو الانكماش، على مرأى ومسمع الحُكومات المُتعاقبة، التي أقدمت على اتخاذ قرارات وسياسات وإجراءات، جمعيها سمتُها الأساس أنها “غير مدروسة”، وكأنها اتخذت على عجل، بلا أي خطط علمية عملية، قابلة للتطبيق على أرض الواقع. وما يدل على إهمال الطبقة الوسطى، هو عدم وجود أرقام دقيقة حديثة حول حجم هذه الفئة، إذ إن آخر أرقام رسمية عنها تعود إلى العام 2010. وعلى الرغم من أن هذه الطبقة تُعتبر من أساسيات تحريك العجلة الاقتصادية، إلا أن نسبها في تراجع مُستمر، خلال الخمسة عشر عامًا الماضية، إذ بلغت 41 بالمائة العام 2008، لتتناقص بُعيد أربعة أعوام فقط وتصل إلى 29 بالمائة في العام 2012، لتعاود الانخفاض مُجددًا وتصل في الوقت الحالي إلى 20 بالمائة، بينما هُناك أرقام لمؤسسات مُستقلة تُشير إلى أنها بلغت 15 بالمائة فقط. والخوف من أن تستمر الطبقة الوسطى بالاضمحلال، جراء الأوضاع الاقتصادية الأكثر من صعبة، والتي يترافقها ارتفاعات متتالية بالأسعار، وزيادة في مُعدل الضرائب بمُختلف أنواعها، والتضخم، وتآكل الأجور. الشيء الوحيد الذي يُعتبر بمثابة اليقين أو المُسلمات هو أن أبناء هذه الطبقة، التي يُطلق عليها بأنها عماد المُجتمع واستقراره، لم يصعدوا نحو الثراء، بل هبطوا باتجاه الفقر، أو أصبحوا ضمن الأُسر محدودة الدخل. تلاشي الطبقة الوسطى، يعني مزيدا من الفقر والفُقراء، خصوصًا أن ما يقرب من الـ80 بالمائة من العاملين والمُتقاعدين دخلهم الشهري أقل من 500 دينار، باستثناء نسبة بسيطة لديها ازدواجية في الدخول.. انكماش هذه الطبقة يعني تبعات اجتماعية خطيرة، أهمها زيادة الجريمة، والتفكُك الأُسري، وانتشار المُخدرات.. اضمحلال الطبقة الوسطى يعني أيضًا انخفاض الطلب على السلع والخدمات، ما يؤثر سلبًا على الاقتصاد في بلد يستورد 90 بالمائة من مجموع ما يستهلك. الأمر لا يحتاج إلى قوة مُلاحظة أو تحليل دقيق، كي نخرج بنتيجة أن هذه الطبقة وأبناءها متروكة بلا غطاء، فالأصل أن تكون نسبة هذه الفئة إلى أبناء المُجتمع الكُلي تُقارب الـ50 بالمائة.. وللقارئ أن يتصور كم كان الوضع المعيشي للأسرة الأردنية جيدًا في العام 2008، عندما وصلت النسبة وقتها إلى 41 بالمائة. “أُفول” الطبقة الوسطى تم تدريجيًا، على مدار خمسة عشر عامًا، من غير أن تُحرك الحُكومات المُتعاقبة ساكنًا، وكأنها وضعت على أعيُنها غشاوة، وفي أُذنيها طينا، فقد كان من الأولى على الحُكومات أن تضع خططًا سليمة، تتناسب وأوضاعنا الداخلية ومواردنا، تتبعها قرارات أو سياسات تحد على الأقل من تآكل هذه الطبقة. لماذا صمتت الحُكومات كُل تلك المُدد؟، سؤال ليس بحاجة إلى إجابة فقط، بل إلى تبرير يُعفي المعنيين من المسؤولية التي آلت إليها أوضاع الطبقة الوسطى في البلاد، فقد كان بالإمكان تقليل الخسائر إلى درجة نُحافظ عليها على أبناء هذه الفئة، التي تدفع جُل قيمة الضرائب، وهي من تُحرك الاقتصاد، وتدافع عن الوطن، وذلك كُله خدمة للأردن. المقال السابق للكاتب رفع الرسوم.. جامعات ماضية على نهج الحكومات!اضافة اعلان