العالم الحر والضمير الغائب


تقاطر زعماء العالم الى إسرائيل بعد عملية طوفان الأقصى التي أدت إلى نتائج عسكرية كاسحة انحدرت بجدار الردع الإسرائيلي إلى الحضيض ووضعت المقولة الإسرائيلية بأنها أقوى دول المنطقة محل شك كبير، وما إن انتهت عملية طوفان الأقصى إلا وطوفان آخر من التعاطف والتأييد تنهال على دولة الاحتلال وربما كان مرد ذلك الكلمات المفتاحية التي تحدث بها رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو مع الرئيس الأميركي جو بايدن والتي ركز فيها على إلغاء طابع الهجوم العسكري على منشأة عسكرية إلى هجوم على قطاع مدني استهدف فقط المدنيين، وكان لذلك أثر هائل على الرأي العام الغربي بالذات عندما قال نتنياهو عن المهاجمين بأنهم قتلوا الأطفال والنساء واغتصبوهن وقطعوا رؤوسهم، كانت هذه الكلمات بمثابة كلمات السرّ التي مكنت نتنياهو من تلويث هذه العملية ووصمها بالإرهابية.

اضافة اعلان


أول الواصلين كان الرئيس الاميركي جو بايدن والذي احتضن بحرارة نتنياهو برغم الود المفقود بينهما، لكن لهذا العناق بين رئيس أعظم دولة ودولة تخرج للتو من هزيمة عسكرية قاسية رمزيته الخاصة والتي تعني التزام أميركا بحماية حليفتها من أي خطر بما فيه خطر الهزيمة، ولسوء حظه فقد قصفت اسرائيل المستشفى المعمداني مما ادى الى استشهاد 500 مريض وطبيب وبين الشهداء اطفال، كان المراقبون يتوقعون من بايدن أن يدين الواقعة لكنه فاجأ الجميع باتهام الطرف الآخر بالقيام بهذا العمل، هذه اللحظة أثبتت تجرد الولايات المتحدة من القيم التي تدعو اليها وانحدارها الى درك متدن من غياب الضمير وأثبت أنها شريكة في هذه الوحشية، بعدها تقاطر زعماء العالم الحرّ يذرفون الدمع بين يدي نتنياهو، فيما عداد الشهداء الفلسطينيين يتجاوز الـ3000، 60 ٪؜ منهم من النساء والأطفال وبدون اي التفاتة من هؤلاء القادة العظام، ومثل عدد الشهداء كان مطحنة الدمار الإسرائيلية تلقي بالمدينة وبنيتها التحتية والفوقية في دروب النسيان وتمارس عدا ذلك عقاباً جماعياً قل نظيرة للغزيين كل ذلك وغيره الكثير لم يسترع ابداً انتباه هؤلاء القادة الاحرار.


كل أولئك المتباكين على العام الحرّ وقيمه نسوا أن سبب ما يحدث ليس أي أحد سواهم، فقد أوجدوا دولة الاحتلال وألقوا في غياهب النسيان أحلام أهل الأرض الحقيقيين وأبقوهم تحت رحمة آلة البطش الإسرائيلية بدون أي حساب أو عقاب، بعد كل ذلك ماذا ينتظر هذا العالم  الحرّ من الفلسطينيين، لقد كان طوفان الأقصى تتويجاً لعمر من الاحتلال والقهر والإذلال مع غياب تام للأمل لدى الفلسطينيين، سبعة عشر عاما من حصار غزة كان لها أن تولد أضعاف ذلك  الغضب، غزة زادت من حمل ذاكرة الأغيار عن العالم الحرّ الممتلئة بأحدث القنابل الفراغية والطائرات النفاثة والصواريخ المجنحة تتساقط على رؤوس الأبرياء في العراق وأفغانستان والاستعمار الذي لم يبقِ ولم يذر من خيرات الشعوب والعبودية الكئيبة، بينما سجن ابو غريب لا يغيب عن ذاكرة اي عراقي، فاقم كل ذلك ازدواجية مخزية بين إنسان وإسبان واسير وأسير فبينما تأسر إسرائيل 7000 مواطن فلسطيني منهم الاطفال والنساء ولا ينتبه لذلك أحد، تقوم الدنيا ولا تقعد عندما يؤسر مواطن من العالم الآخر الحرّ.


لقد وقع الرئيس بايدن في زلة أخرى عندما قارن بين روسيا والفلسطينيين بطريقة سخيفة وقلب فاضح للحقائق، ومع كل هذا التعاطف والبكاء على إسرائيل إلا أنها في مأزق وجودي لا بد كي تتجاوزه من  الانتصار على حماس حتى تعيد هيبتها وترمم جدار الردع، وحتى تفعل ذلك لابد من اجتياح غزة ولهذا الدخول نتيجتين لا ثالث لهما، أولهما أن تنهزم وتعود بسبب عنف المقاومة، أو أن تنتصر وتفكك حماس، وفي كلتا الحالتين تدخل إسرائيل في مأزق وجودي، وأيضا يتأكد فشل الاحتلال وإفلاسه وكذلك فشل داعميه من العالم الحرّ في تجسيد قيم الحرية والعدالة التي يلبسون قناعها ويخدعون الأغيار من العالم المتخلف الذي هو نحن بشعاراتها البراقة وهم وعالمهم الحرّ يعاني من مرض غياب الضمير والميزان الوحيد الذي يؤمنون به هو ميزان القوة والمصالح وما عدا ذلك لا يعدو عن كونه مجرد أكاذيب والدليل ليس ببعيد فغزة شاهد حيّ على ذلك.

 

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا