العراق يغرق بالطائفية اللعينة

يقرر الزعيم الشيعي والسياسي مقتدى الصدر اعتزال الحياة السياسية، فيثور وينتفض ويغضب أتباعه، وتكون الحصيلة دوامة عنف سيئة راح ضحيتها عراقيون أبرياء. سبق وأن فعلها الزعيم الشيعي واعتزل في أزمات سياسية سابقة، كما فعلها سياسيون وزعماء طوائف آخرون بالعراق، ولكنهم يعودون بعد ذلك للانخراط بالحياة السياسية تحت ضغط القواعد، فتظهر القصة كلها وكأنها تكتيك سياسي ليس أكثر، يدفع ثمنه العراق واستقراره، ويؤشر كم أن العراق غارق بالطائفية مواطنوه يدينون بالولاء لمرجعياتهم أكثر من بلادهم واستقرارها. في البعد السياسي للأمر، بعيدا عن البعد الطائفي المقيت، يبدو الصدر صاحب حق في سلطة حرم منها. فاز حزبه بالانتخابات، ومن حقه لذلك المشاركة بالحكومة، وانتخاب قيادات البرلمان، وبالرغم من ذلك تعيق باقي القوى الشيعية المحسوبة على إيران حق حزبه في الحكم. القصة باتت أن أذرع إيران بالعراق تتفاعل مع العملية الديمقراطية فقط إن هي خدمت مصالحها، وإن اختل ذلك، تقوم بتعطيل العملية السياسية كافة، حتى لو عنى ذلك الإطاحة باستقرار العراق. غضب الصدر لذلك وفعل ما فعل، ليقول إنني قادر على الإيذاء وإن أغلبية حزبي بالبرلمان يجب أن تحكم، فقد فاز بالانتخابات بعملية ديمقراطية وانتخابات نزيهة وإن كانت طائفية. ما يجري بالعراق محزن، وهو من تجليات الطائفية التي اجتاحت العراق في مرحلة ما بعد حرب 2003، فبدل أن يدخل العراق عهد العدالة والاستقرار والحرية الدينية، دخل نفق الطائفية المظلمة، وبات ساحة أمامية لإيران، تديره من خلال الطوائف والميليشيات التابعة لها وتأتمر بإمرها. ليس ما يحدث بالعراق جزء طبيعي من العملية الديمقراطية، وإنما طائفية لبست ثوب الديمقراطية، ولكن الصراع الحقيقي هناك هو صراع بين نفوذ إيران، وبين القوى العراقية التي تريد مزيدا من السيادة والاستقلال للعراق عن إيران أو أي نفوذ آخر. يحب الأردنيون العراق، ويحزنون لما يحدث فيه، ويصطدم الأردن بكل محاولاته التعاون مع العراق اقتصاديا بحجم النفوذ الإيراني الكبير هناك، فالقرار، حتى الفني الاقتصادي، يخضع للنفوذ والفيتو الإيراني. هذا هو واقع الحال الفعلي للأسف، ففي الوقت الذي تنظم فيه التجارة بين العراق وإيران على مستوى المحافظات في الجنوب، نجد اتفاقات سيادية بين الأردن والعراق لا تنفذ وتتعطل لأسباب لها أول وليس لها آخر. الأردنيون وهم يراقبون ما يحدث هناك ليقبلون تراب بلادهم أن بها منظومة قيم سياسية ومؤسسات قوية رسخت أن الدولة أكبر من الجميع، ولا يسمح لأي جهة، كائنا من كانت، أن تتغول على الوحدة الوطنية وأن تمسها، لا عمليا ولا إعلاميا وشعاراتيا، فهذا هو عمق الاستقرار الأردني. في العراق الجريح، الطائفية بكل صنوفها استباحت كل شيء، وبات العراق غائبا جريحا الى إشعار آخر، والأرجح أنه سيمر بمراحل من التعب واللااستقرار قبل أن تستقيم معادلته السياسية، وهذا بتقديري لن يتم ما دام ساحة أمامية لإيران. المقال السابق للكاتب للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنااضافة اعلان