العرب ضائعون تماما بشأن أدوار الدّين والطائفة..

خرج معظم المتظاهرين في لبنان رافعين شعار التخلص من الطائفية ومحاربة الفساد. ومع ذلك، عندما انتشر فيديو يهاجم فيه سُني لبناني رموزاً شيعية، هاجم شباب الشيعة الغاضبون تجمعات "الحراك" وأحرقوا خيامهم، وكادت فتنة طائفية تحرق البلد. واضطر السُّنة إلى الاعتذار، بدءاً من عائلة صاحب الفيديو التي تبرأت منه، ثم هو نفسه، ثم شيوخ الطائفة وشخصياتها. بل إن أفراداً من السنة غامروا بالذهاب إلى مناطق الشيعة للأخذ بخاطرهم، تماماً مثلما يحدُث في جاهات ووجاهات العرب لحل المشاكل القبَلية.اضافة اعلان
يشعر المراقب لمطالبات المحتجين العرب بخروج الدين من المجال السياسي بأن نفس الذين يرفعون الشعار لم يتحرروا حقاً من سيطرة الدِّين، ولا يمتلكون جواباً حاسماً على أدواره، ويقعون في التناقض. لن يرتاح مناهضو الطائفية المسلمون في لبنان مع تنصيب حكومة بأغلبية مسيحية مثلاً، على أساس الجدارة. ولن يرتاح شيعتهم مع حكومة بأغلبية سُنية، والعكس. ولن يرتاح المسيحيون والدروز مع حكومة أغلبية سنية أو شيعية، وهكذا عبر كامل الطيف.
بل إن انتخاب حكومة غير متوافق عليها سلفاً وعلى أساس الجدارة في لبنان يظل حلُماً يوتوبياً، لأن المعظم سيعودون عند صندوق الاقتراع إلى النزعات النرجسية وإغواء الرغبة في سيادة الطائفة والخوف من الطوائف الأخرى. ويكاد يستحيل أن ينتخب العراقيون ذوو الأغلبية الشيعية حكومة بأغلبية سنية على أساس واقعية البرنامج الانتخابي وجدارة المرشحين. وينطبق هذا على أغلب الخيارات الانتخابية للفرد في العالم العربي –ولو أن روابط القبيلة أو العِرق أو العلاقة الشخصية تحل محل الطائفة كمعيار للاختيار في الدول المتجانسة مذهبياً.
مع ذلك، تقترح بيانات حديثة لـ"الباروميتر العربي"، شبكة استطلاعات الرأي في العالم العربي، أن هناك انحساراً في نفوذ الدين السياسي، أو حتى التدين بشكل عام. وحسب تلخيص للنتائج نشرته مجلة "الإيكونوميست" مؤخراً، وجد "الباروميتر" أنه "عبر المنطقة، انخفضت شريحة الذين يعربون عن ثقة كبيرة بالأحزاب السياسية، والتي لمعظمها صبغة دينية، بأكثر من الثلث منذ العام 2011، هابطة إلى 15 %… كما أن منسوب الثقة في الأحزاب الإسلامية سجل انخفاضاً كبيراً بنفس المقدار، هابطاً من 35 % في العام 2013 ، عندما طُرِح السؤال لأول مرة ، إلى 20 % في العام 2018". كما "امتدت الشكوك إلى القادة الدينيين"، حسب التقرير؛ بينما كان نحو 51 % من المستجيبين في العام 2013 يثقون بقادتهم الدينيين إلى حد "كبير" أو "متوسط"، هبطت نسبة المجيبين بذلك عن نفس السؤال في العام الماضي إلى 40 %. ويرى عدد أكبر من الناس أن القادة الدينيين لا يجب أن يكون لهم نفوذ على السياسة.
كما تكشف أرقام الباروميتر، يظل سؤال الدين معياراً حاسماً في تحديد الاتجاهات العامة في العالم العربي. ويعرف العرب، من واقع الخبرة، طغيان ظهور مفردات الدين ومتعلقاته في الحوارات والمعاملات اليومية، وبطريقة تعرض عدم انسجام واضح في التعريفات وتناقضاً واضحاً بين الرأي المعلن والممارسة لدى الاختبار. وقد عبرت أزمة تعريف أدوار الدين عن نفسها في المنطقة بأشكال دامية، فعنوان الصراع الطائفي الداخلي والإقليمي صراعات المنطقة ومعاركها، وأشاعت الأيديولوجيات الدينية وطرائقها الفوضى الاجتماعية والحرب الأهلية، وأخرج تناقض الأفراد الديمقراطية الانتخابية عن سكتها.
عالجت أوروبا هيمنة الكنيسة وتحالفها مع الإقطاع وما أنتجه ذلك التحالف من ظلامية. وهناك، ساهم عمل الفلاسفة والمفكرين العلماء في إعادة تعريف أدوار الدين، وإبعاده عن أروقة السياسة. وكان النجاح الذي تحقق في مسيرة العِلم والتصنيع وتحسين الرفاه المادي حاسماً في تغيير دوافع الأفراد. لكنّ العالم العربي يبدو منيعاً أمام إعادة تلك التجربة.
ليس ثمة مساحة لعمل المفكرين والفلاسفة والعلماء لتنوير الرأي العام عندما تكون الأفكار مُراقبة وعمل العِلم متعثراً. ولم يسمح تحالف النخب والعوائل الحاكمة مع رجال الدين باقتراح أفكار لتحديد الادوار بطريقة تتيح التحشيد حول فكر عملي تقدمي يعرض مشروعات مربحة للجميع. وأصبحت الطائفة ملاذاً شخصياً، إلى جانب القبيلة والعصبة. وسادت، حتى في حراكات التحرر العربية، شخصية تجسد المثل المصري "أسمع كلامك أصدقك، أشوف أمورك استعجب". ومهما تكن أرقام الاستطلاعات مبشرة بتغير في معايير الحكم الفردية، فإن حساب الحقل ما يزال بعيداً عن حساب البيدر.