الفرق بين تحزب التسعينيات والآن

د.محمد حسين المومني من أعمق وأهم الأسئلة المطروحة على المستوى الوطني في مرحلة التحديث السياسي، تلك التي تتساءل بصدق وبحسن نية عن الفرق بين مرحلة التحزب في التسعينيات والمرحلة الحالية. المتسائلون يريدون فعلا أن يفهموا قبل أن يقرروا، ويقولون بوضوح إننا رأينا هذا العرض الحزبي في التسعينيات ولم يتمخض عنه شيء، بل حاصرته الدولة ولم تدعمه، وانتهت التجربة الى إخفاق زاد من تجذر المعاداة للحزبية بين أواسط المجتمع الأردني. هذه أسئلة محترمة مشروعة، تخرج من شخصيات وأردنيين يريدون فعلا التغيير، والإسهام ببناء بلدهم في المرحلة المقبلة، ولكنهم يريدون أن يتأكدوا من صدق النوايا والتوجه. الإجابة عن هذه الأسئلة والتوجسات والتفاعل معها، يجب أن يشكل بوتقة النقاش الوطني حول مرحلة البناء والتحديث المقبلة، فهذا هو السبيل لخلق ديناميكية سياسية مجتمعية إيجابية تقف بوجه المسترخيين في زوايا السواد والسلبية، ويسهم ببناء الثقة المجتمعية التي تراجعت. أول الفروقات الكبيرة بين المرحلتين التسعينية والآن، الضمانة الملكية التي تمثل ضمانة دولة معلنة أننا في مرحلة مختلفة من حيث الأهداف والأدوات. أكد ذلك جلالة الملك وأكدته أجهزته في مناسبات عدة، وبالتالي فإن الجهات كافة ذات العلاقة تدرك أن مصداقية الدولة يجب صونها في هذا الأمر، ولا يمكن السماح بأي تراجع. الدولة اتخذت قرارا ووصلت لاستنتاج استراتيجي أن الحزبية البرامجية هي عنوان العمل السياسي في المرحلة المقبلة. هذا لا يعني بطبيعة الحال أن تترك الأمور على غاربها أو أن تنفلت لا سمح الله، فالحزبية المقبلة يجب أن تكون منضبطة ضمن أحكام القوانين، وأن تكون متسقة تماما مع مصلحة الدولة العليا تبتعد عن الشعبوية والتضليل. الدولة لم تأت لهذا الاستنتاج بضرورات العمل الحزبي دون أسباب عميقة، وهي مسوغات أخرى يمكن أن تساق للمقارنة بين التسعينيات والآن، فالأحزاب اليمينية واليسارية الآن، ليست كتلك في التسعينيات عندما كانت الايديولوجيات العابرة للجغرافيا عاملا حاضرا حقيقيا في كينونتها الحزبية. الظاهرة الحزبية العابرة للجغرافيا لم تختف تماما ولكنها ضعفت، والأهم في مواجهتها كان تجذر مبدأ وطنية الأحزاب، وتحريم أي امتدادات لها خارج الحدود، فبات ذلك إحدى أهم القيم السياسية الأردنية الراسخة والخروج عنها مجرم بالقانون. نعم، ما يزال تيار حماس هو الأقوى داخل حركة الإخوان غير الشرعية، وما يزال اليسار الليبرالي والتقليدي يدين بولاء فج لبعض الأحزاب والدول في الخارج، ولكن ذلك بالمجمل ضعف بالمقارنة بالتسعينيات، فالآن يعلم كل أردني ويدعم أن الامتدادات خارج الحدود ستكون مقبرة للأحزاب والتجربة الحزبية. يضاف لأعلاه ما يمكن أن يساق من إرهاق المجتمع والدولة أيضا بسبب غياب البرامجية في الطرح والنقاش، وأن تبديل الأشخاص والتوسم بالجديد منهم أصبح غير مجد، ولا بد لذلك من استبدال الشخصانية ببرامجية حزبية غير شخصية تتنافس فيما بينها، وبما يحقق طموح المجتمع، والأهم أن تتحمل هذه الأحزاب وحكوماتها البرامجية تكلفة السياسات لا الدولة. هذا شأن استراتيجي مهم لأننا لا نريد لإخفاق المسؤولين أن يأخذ من رصيد الدولة، فهذا ظلم ومكلف، ولهذا فعنوان المرحلة المقبلة أحزاب تضع سياسات وتتحمل مسؤولية قرارتها أمام الرأي العام.

المقال السابق للكاتب

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

اضافة اعلان