القدس عاصمة قلوبنا

جاء رد إسرائيل وأميركا سريعاً على بيان مؤتمر الاتحاد البرلماني العربي التاسع والعشرين والذي أنهى أعماله في عمان أول من أمس، حيث أعلنت أميركا دمج سفارتها مع قنصلتيها العامة في القدس – علماً بأن الأخيرة افتتحت في القدس منذ العام 1844 أي في بداية القرن التاسع عشر- ، وهذه الخطوة الغاشمة جاءت لتؤكد سياسة إدارة ترامب في اعتبار كامل القدس عاصمة لدولة الاحتلال ومؤكدة بذلك على إنهاء حل الدولتين. نجح الأردن في تأمين تواجد أغلب الدول العربية في المؤتمر وبحضور لافت لسورية، ذلك الحضور الذي عمل لأجله الأردن ورحبت به جميع الدول العربية ودول مجلس التعاون الخليجي وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ورغم هذا الترحيب في المؤتمر إلا أن وزير الدولة للشؤون الخارجية السعودي "الجُبير" أعلن أن عودة سورية للجامعة العربية لم تحن بعد، مما يشي بأن الترحيب بسورية لم يلغِ بعد التحفظ على نظام الأسد. كما نجح الأردن في تحقيق إجماع عربي على تخصيص كامل المؤتمر لنصرة الفلسطينيين والقضية الفلسطينية، حيث عُقد المؤتمر تحت عنوان "القدس عاصمة دولة فلسطين الأبدية"، وهذه الخطوة الشجاعة الذكية ضمنت نجاح المؤتمر كما نجحت ولو على مستوى معنوي في إعادة موضع القضية الفلسطينية عموماً والقدس خصوصاً في مكانها الطبيعي باعتبارها قضية العرب المركزية، كما أكد المؤتمر -دون أي اعتراض ضمني أو صريح – على الاعتراف بالوصاية الهاشمية على القدس والاعتراف بالجهود والتضحيات التي يبذلها الأردن والملك عبد الله الثاني نصرة للقدس ومقاومة لتهويدها بالكامل. العنوان الفرعي الأهم للمؤتمر كان في رفض التطبيع السري والعلني مع إسرائيل ورغم أن تململ دول الخليج واضح من الإدانة الصريحة للتطبيع، والذي مارس بعضها مؤخراً تطبيعاً علنياً مع اسرائيل، إلا ان المؤتمر تبنى خطاباً جديداً مفاده ان البرلمانيين العرب يعبرون عن إرادة الشعوب العربية التي انتخبتهم وليس بالضرورة عن الأنظمة العربية ذاتها، وأن الشعوب العربية -كما صرح عاطف الطراونة - لا تريد التعامل مع إسرائيل وتعتبرها كياناً محتلاً وهو الموقف العروبي الذي يسجل للأردن وللطراونة – رئيس البرلمان الأردني –ويؤكد على أن الأردن مهما ضيقوا عليه النطاق سيظل مخلصاً لمبادئه في نصرة القدس والقضية الفلسطينية. الموقف الغانم الآخر في مقاومة التطبيع جاء على لسان رئيس البرلمان الكويتي "مرزوق الغانم" الذي دعا لرفض التطبيع وحتى لرفض الحديث عنه، وطالب في كلمة مهمة أمام المؤتمر الحماية الدولية للفلسطينيين وأيضاً طالب بالتدخل العربي لوقف الانقسام الفلسطيني. لن يكون للمؤتمر نتائج عملية عاجلة على الأرض، ولكنه توجه شعبي عربي ضروري ومهم لنصرة القضية الفلسطينية وهو يؤشر على جملة قضايا منها: إن الشعوب العربية ستقاوم أي حل يُفرط بالحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني ويهدف إلى طمس هويته، وإن نهج بعض الأنظمة العربية باعتبار القضية الفلسطينية هي قضية للفلسطينيين فقط تمهيداً لتنصلهم من مسؤولياتهم اتجاهها، هو نهجٌ مرفوضٌ من قبل شعوبها، ذلك أن الشعوب العربية ترتبط برباط نصرتها للقضية الفلسطينية، تلك القضية التي كانت وما تزال من أهم عناصر الشعور القومي العربي. إن حل الدولتين انتهى، ولكن التوجه الشعبي العربي إزاء تصفية اميركا وإسرائيل لحل الدولتين هو مقاومة كافة الحلول التي تفرط بالحقوق الوطنية الفلسطينية، وإن الصفقات التي تتجاهل الشعوب وحقوقها هي صفقات قد تكون مدروسة لكنها ساذجة بالمعنى السياسي الذي يعتقد أن الأنظمة العربية المرتبطة مع اسرائيل واميركا سياسياً واقتصادياً تستطيع فرض مثل تلك الحلول على شعوبها. إن إنهاء اميركا وإسرائيل لحل الدولتين سينقلب شعبياً على إسرائيل وسيعيد المقاومة والنضال الشعبي المتمسك بفلسطين من البحر إلى النهر، وسوف يرفع سقف المقاومة الذي خفضته المبادرات العربية ولهث العرب وراء سراب السلام ليعود لسقفه الأعلى وهو إعلان المقاومة بكافة اشكالها باعتبار أن الصراع مع دولة الإحتلال هو صراع وجود وليس صراع حدود. ينسب إلى جولدا مائير رئيسة وزراء اسرائيل السابقة قولها: غداً يموت الكبار وينسى الصغار. لكن الواقع العربي الفلسطيني أثبت أنه حقاً يموت الكبار لكنهم يخلفون أجيالاً لا تَنسى. فاهم علي جنابك!اضافة اعلان