القهر المحلي نكبة فلسطينية أنكى..!

لعل أسوأ قهر يمكن أن يختبره الفلسطيني هي أن يتسلط عليه مواطنه، فيصادر رأيه، ويفرط في حقوقه، لا يتورع عن تصفيته جسديا بحقد وحشي بسبب اختلاف في الرأي. وفي الحقيقة، لطالما تلطخ التاريخ النضالي الفلسطيني بالاشتباكات العنيفة المسلحة والاغتيالات السياسية بين الفلسطينيين. وكان ينبغي أن يكون دم الفلسطيني على الفلسطيني حراما ولدى هذا الشعب الكثير من الألم على طبقه. كان آخر فصول هذه الممارسة الوضيعة والمحبطة هو مصرع الناشط الفلسطيني نزار بنات ضربا على يد من يُفترض أن يكونوا حافظين لأمن الفلسطينيين وحرياتهم وأرواحهم. وليس هذا غريبا ولا جديدا على كيان سمى نفسه «سلطة» وانتقى أسوأ متعلقات هذه اللفظة من المعاني والممارسات. وهو ينصب نفسه، بالتخويف والقمع الوحشي، سلطة على الفلسطينيين ومصائرهم دون أن يكون سلطة عندما يتعلق الأمر بدفع القضية الوطنية، أو مواجهة الاحتلال، أو استخدام ما بين يديه لتعزيز قدرة وأدوات شعبه لمقاومة العدو. لا يخفى على أحد أن القيادة الفلسطينية في رام الله لا تمثل أغلبية من الشعب الفلسطيني. فبالإضافة إلى تجاوز «الرئيس» فترته الرئاسية بأميال، وبذلك فقدان شرعيته منذ زمن طويل، تفصح استطلاعات الرأي الفلسطينية عن إرادة الناس الغامرة للتغيير. ويسرد المراقبون في كل مكان –بمن فيهم يهود مستنيرون- الأضرار البليغة التي ألحقتها بفرص الشعب الفلسطيني وآماله قيادة لم تفعل سوى تسهيل تعميق الاحتلال وإهدار التضحيات الفلسطينية والعمل كمقاول من الباطن لدى العدو لإحباط المقاومة الفلسطينية. إذا كان ثمة شيء يُمكن أن يُحاسَب عليه الفلسطيني ويُعتقل من أجله ويُعاقَب عليه، فهو بالتحديد تعاونه مع العدو واستسلامه له والتنسيق معه والتآمر على مواطنيه الذين يقاومونه، والتفريط بالمبادئ والحقوق الوطنية المعروفة. وسيستحق الحساب أيضاً من يسطو على ما ائتُمن عليه من أصول الفلسطينيين المالية والحقوقية وأساء معاملتهم وتميّز عنهم وسفَّه أحلامهم واستهدف أرواحهم وحرياتهم وأمنهم لما يخدم أمن العدو ومصالحه. إذا كانت هذه هي الخطايا التي يُمكن أن يعاقَب عليها الفلسطيني، فإن أحداً لا يجهل أين مكمنها ومن هو الذي يقترفها. لا يمكن استيعاب مشهد فلسطينيين يرتدون أزياء «مكافحة الشغب» المخيفة ويستخدمون الهراوات والغاز والضرب والقمع ضد مواطنيهم لأنهم يحتجون على سياسات يرون أنها لا تخدم قضيتهم وأن منتهجيها لا يمثلونهم. إن هذا المظهر القبيح هو تعبير سافر عن الإفراط في وهم القيادة التي تصدق أنها حكومة تدير بلداً حُراً، وتتقمص أسوأ شكل من أشكال السلطات الاستبدادية المتشبثة بالحكم والامتيازات. في إحدى المقابلات، قال الرئيس عباس أنه سيتنحى فوراً عن الحكم إذا خرج خمسة فلسطينيين يطالبون برحيله. ويمكن الرجوع إلى مقابلته الموثقة بالفيديو في الفضاء الإلكتروني. لكنه استسلم بالتأكيد للفكرة التي لطالما أسست للاستبداد: اعتقاد القابض على السلطة الذي يبلغ حد الإيمان بأنه الوحيد الذي يمتلك المعرفة والقدرة والصواب والأحقية، بحيث ستخرب الدنيا إذا جاء أحد غيره. وفي الطريق، سوف يعتقد بأن كل من يعارضه سفيه، حتى لو كانت أغلبية الذين يُفترض أن يمثل مصالحهم ترى غير ما يرى. بل إن الأمر وصل إلى الزعيم الفلسطيني بالتهديد بإطلاق النار على من يعارض سياسات حزبه وينشق عنه. الآن، ثمة مئات، وآلاف، بل ويغلب أنهم ملايين الفلسطينيين الذين يعبرون عن رغبتهم في رحيل الرئيس وسلطته ويرفضون نهجه. وهناك احتجاجات في فلسطين الآن تهتف بهذا المطلب وفلسطينيون في كل مكان يعبرون عنه حيثما أتيح لهم ذلك. وهناك دول ومنظمات حقوقية دولية محايدة تستنكر الآن وكل الوقت ممارسات النظام السلطوي القابض على مصير الفلسطينيين، من إسكات المعارضين وقمع الاحتجاجات بالقوة إلى استخدام التعذيب والعنف ضد الشعب الفلسطيني الذي لديه من العناء ما يكفيه في الضفة المحتلة. ومن المؤكد أن الذين لا يعجبهم عمل «السلطة» ورئيسها أكثر من خمسة، فماذا ينتظر الرئيس؟ للأسف، يُدفَع الفلسطينيون دفعاً إلى معركة داخلية ضد مضطهديهم المحليين، في ما يُبعدهم مسافة أخرى عن معركتهم الوجودية المستحقة مع العدو الصهيوني. وللأسف، تنتشر في المدن الفلسطينية هراوات وخُوذ وغاز «أمن السلطة»، فتنظر إلى مكافحي «الشغب الفلسطيني» من السلطة وكيان الاحتلال، فلا تكاد تميز هذا عن ذاك.اضافة اعلان