القيادات التنفيذية والقدرة على اتخاذ القرار 1 - 2

د. عبدالله سرور الزعبي
د. عبدالله سرور الزعبي

منذ فترة زمنية ليست بالقصيرة والحديث يدور عن خطط إستراتيجية ذات أهداف رائعة وبرامج مختلفة تهدف للنهوض بالاقتصاد وتشجيع الاستثمار وتجويد مخرجات التعليم والتشاركية مع القطاع الخاص وغيرها من المشاريع المختلفة التي لو قدر لها أن تحظى بقيادات من أصحاب الكفاءة تبنوا وضع خطط تنفيذية على أرض الواقع بوجود مؤشرات أداء قابلة للقياس الكمي السنوي، لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه، على الرغم من إصدار جلالة الملك للأوراق النقاشية السبعة والتي تعد خريطة طريق لكافة مؤسسات الدولة.

اضافة اعلان


على الرغم من ذلك استمر الخطاب الحكومي المتعاقب لأكثر من عقد من الزمن بالحديث عن خطط وبرامج لم يلمس المواطن لها آثار إيجابية على الاقتصاد والبطالة وتكاليف الحياة وتجويد التعليم ورفع حصة الفرد من المياه لتحقيق الحد الأدنى من الأمن الغذائي وتكاليف الطاقة وغيرها من الأمور، مما أدى لتفاقم أزمة الثقة بين المواطن والحكومات المتعاقبة.


هناك الكثير من الدراسات والندوات لتشخيص أسباب عدم تنفيذ الإستراتيجيات وخطط المشاريع المختلفة وتراجع الثقة بين المواطن والحكومات، والتي نسبها البعض إلى الظروف الإقليمية ونقص في الموارد وضعف الإدارات وغيرها من الأسباب. كلها أسباب مقبولة، الا ان من الأسباب الرئيسية لذلك، وجود عدد من القيادات والقائمين على تنفيذ الخطط والبرامج وعدم الرغبة في تغير سياسة إبقاء الأمر على ما هو عليه (أصحاب نظرية التسكين) أو من أصحاب الأيادي المرتجفة (لا تعمل كي لا تخطئ، وتكون تحت مجهر الأجهزة الرقابية) أو من فضلوا اللجوء الى القرارات الشعبوية أو المعطلين من أصحاب المصالح، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها على سبيل المثال، عندما تكون رجل أعمال ناجحا لا يعني أن تصبح من راسمي السياسات العامة وإدارة أحد قطاعات الدولة بكافة تشعباتها، أو أن تكون قياديا من الدرجة الثانية وتجد نفسك في المقدمة، وتصل الى قمة الطموح، حيث يلجأ البعض منهم إلى الاسترخاء وتطبيق سياسة «لا داعي للتعب ومجابهة المصاعب واغضاب الآخرين»، كما أنني أعرف بعض من لم يتمكنوا من إدارة فريق مكون من عدد محدود من الأشخاص لتنفيذ مشروع صغير وبقيمة مالية لا تتجاوز مائتي ألف دينار ونتفاجأ في استلامه لإحدى المؤسسات، يدير آلافا من البشر والملايين من الدنانير (ولكم ان تتخيلوا النتيجة؟)، كما أن أحد الأشخاص الذين وصلوا إلى موقع رئيس مؤسسة أكاديمية، وكان من المنادين في التغير وعندما سئل عن عدم اتخاذه أي إجراء أجاب لقد حصلت على الرتبة، وغيرهم الكثير ممن تدور حولهم شبهات الأمانة العلمية وصل بعضهم إلى قيادة مؤسسات أكاديمية (ولكم ان تتصوروا جودة البحث العلمي والترقيات؟)، أو من قادوا مؤسسات أكاديمية وقطاع التعليم لأكثر من مرة ومارسوا الضغوط لتمرير ترقيات بدون وجه حق ومنح رتب أكاديمية بأثر رجعي وغيرها (والسؤال إذا كانوا قد مارسوا هذا العمل خلال قيادتهم للمؤسسات التي سبق وأن قادوها، ساترك لكم استنباط النتيجة عن مثل هذه الممارسات إذا كانت تتم؟) وغيرهم الكثير لا يتسع المجال لسردها، ثم نبدأ بعدها بالتباكي على حال بعض المؤسسات.   


ان مثل هذا الأمر، أشار اليه جلالة الملك بكل وضوح في رسالته للشعب الأردني بعيد ميلاده الستين، واقتبس «... مما أدى إلى تباطؤ مسيرتنا، التي عانت أيضاً من ضعف في تنفيذ البرامج والخطط، وتمترس بيروقراطي وانغلاق في وجه التغير، ....لا مكان بيننا لمسؤول يهاب اتخاذ القرار والتغير الإيجابي أو يتحصن وراء أسوار البيروقراطية خوفاً من تحمل مسؤولية قراره، وواجبنا أن نوفر الحماية والدعم لكل مسؤول يتخذ القرارات الجريئة ويبادر ويجتهد ...».


ومن الأمثلة الواضحة للعيان ما يعاني منه قطاع التعليم العالي من تغير وتبدل في إستراتيجيات القطاع التي يصعب حصرها خلال الخمس عشرة سنة الماضية، مروراً باستراتيجية الاستراتيجيات ووصولا إلى الاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية. لقد كان واضحاً ان الخطط الاستراتيجية لم تعان من العيوب، بل بعدم تطبيقها على أرض الواقع مع عدم وجود مؤشرات لقياس الأداء الكمي لمراحل تنفيذها ضمن مدد زمنية محددة، وانقلاب قيادات القطاع عليها، ومنهم من كان من مهندسي البعض منها.


إنني وبكل ثقة، أؤكد أن وضوح الروية وتوفر الإرادة والتزام الفريق (على الأقل معظمهم) دون تردد أو خوف لتحقيق أهداف سبق وان حددت بدقة مع وجود مؤشرات قياس كمية ومراجعة مستمرة، حتماً ستؤدي إلى الوصول إلى نتائج إيجابية. ومن الأمثلة على ذلك، سأتحدث عن تجربتي الشخصية، في حزيران من عام 2016 تشرفت بإرادة جلالة الملك لقيادة جامعة البلقاء التطبيقية، ومباشرة طلبت من الأستاذ الدكتور محمد عدنان البخيت، رئيس مجلس الأمناء آنذاك دعوة المجلس لعقد جلسة طارئة لتوثيق الوضع القائم في الجامعة آنذاك (موثق)، ومن محظر الاجتماع تبين وجود عدد من القضايا يمكن معالجتها بصفة الاستعجال (رغم المخاطرة في القرارات)، ومنها ما يحتاج إلى فترات زمنية أطول، الأمر الذي تطلب وضع إستراتيجية هي أقرب لخطة تنفيذية وتم تحديد الأهداف ومؤشرات قياس الأداء الكمي لها ضمن مدد زمنية محددة، منطلقين بذلك من الإستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية والأوراق النقاشية لجلالة الملك وخاصة السادسة والسابعة منها.


في الجزء الثاني سنتحدث عن آلية إحداث التغير.

 

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا