الكتابة للمراكز الفكرية..!

تصدر بعض المراكز الفكرية نوعا من أفضل المنشورات أو المطبوعات، من ناحية عمق المشاركات وأسماء الكتاب وخبرتهم. وبطبيعة الحال، ستكون المراكز الفكرية الأكثر تميزًا من هذه الناحية هي الأفضل تمويلا، سواء لجهة استكتاب خبراء والقدرة على مكافأتهم، أو إصدار مجلات وكتب ودراسات إلكترونية ومطبوعة، وأحيانا فيديوهات وتحقيقات معمقة. 

اضافة اعلان


مشكلة هذه المراكز المتميزة هي أنها تكون في الغالب منحازة إلى قضية الجهة التي تتولى تمويلها. ويعرف الكاتب الذي يريد النشر لدى هذه المراكز، أو الذي تستكتبه المراكز، الحدود التي سيكتب ضمنها والاتجاه الذي يريد أن ينشئ أطروحته على أساسه بحيث ينسجم مع الخط الفكري للمركز.


بطبيعة الحال، هناك مراكز أو منظمات فكرية أكثر موضوعية وشمولية وتنوعا. لكن هذه المراكز تكون دائما على حافة الإفلاس. إنها غالبا تمول نفسها عن طريق اشتراكات أو تبرعات القراء، أو من جيوب منشئيها. وهي تعلن على مواقعها مصادر تمويلها كي تدلل على حيادها النسبي، وتطلب التبرعات بإلحاح –في كثير من الأحيان مع إخبار القراء بأنها على وشك الإغلاق إذا لم يدعموها. وفي غالب الأحيان أيضًا، نعرف من الذي أسس/ أسسوا هذا النوع من المراكز ويديرونه بحيث يكون ضد التيار السائد.


أما المراكز الأخرى، الراسخة، فيكون لها مدراء موظفون في مختلف المراتب، يعملون عند ممولين غير معروفين بالاسم. وقد يكون الممول دولة، أو جماعة ضغط تابعة لدولة أو قضية، أو أي جهات نافذة تدخل في حساباتها صناعة الرأي العام. وقد تستأجر دولة في الشرق مركزا غربيا مرموقا ليلمع صورتها، أو ليشوه نيابة عنها صورة منافس/ منافسين. وفي هذه الحالة يصبح المركز الذي يؤجر نفسه لحمل قضايا الآخرين مركز مرتزقة فكري، مثل «فاغنر» و»بلاك ووتر»، وإنما بأسلحته الخاصة.


نلاحظ باحثين وكتابا فلسطينيين، مثلا، يكتبون لمركز في الغرب يعرف نفسه بأنه يريد إرشاد السياسة الأميركية في الشرق الأوسط خدمة لمصالحها، لكن مدراءه يهود يُعرِّفون أنفسهم علنًا بأنهم صهاينة متعصبون وأنصار متحمسون للكيان. وبطبيعة الحال، تريد هذه أي مراكز مؤثرة أن يكتب عن الشؤون المعنية أناس «داخليون» -أولاً لإضفاء المصداقية على الأطروحة على أساس هوية مصدرها، وثانيًا لأنها تفترض في «الداخليين» أن يعرفوا أكثر عن قضايا بلدانهم.


الباحث الفلسطيني الذي يكتب لمركز كهذا، يعرف حتما مَن هم مدراؤه وما هي توجهاته. ولذلك، حتى يحظى بالقبول، يجب أن «يوازن». كيف يوازِن؟ سوف يحلل «بحياد» بحيث يُسند إلى الفلسطينيين نفس مقدار الخطأ على الأقل مثل الذي يسنده إلى الكيان، وينتقدهم بقدر ما ينتقده. سوف يتحدث عن عنف المستوطنين، لكنه سيذكر «عنف المتشددين» الفلسطينيين. وسوف يقول أن الفلسطينيين مسؤولون عن إجهاض عملية السلام مثلهم مثل «الإسرائيليين» بالضبط. وسوف ينتقد حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة، مثلاً لكنه لا بد أن يذكر حكومة السلطة الفلسطينية «المتخاذلة، الفاسدة، التي انتهت ولايتها» ويجتهد في سرد عيوبها... وهكذا. إنه، في النهاية، يشتغل عند صهاينة ويعرف أنه يفعل، ويكتب بشروطهم وفي انسجام مع إطرهم العامة وأهدافهم التي لا يمكن أن تكون متوازنة أو غير ضارة بالفلسطينيين.


ينطبق الأمر نفسه على باحثين عرب من مختلف الدول، يكتبون لمراكز مختلفة. وفي كثير من الأحيان، يكون الكُتاب الأجانب الذين يكتبون عن هذه البلدان أكثر اعتدالاً في مقاربتها وحرصًا على الموضوعية من نظرائهم العرب. وينطلق الكتاب العرب من اعتقاد بأنهم كلما سلطوا الضوء على البقع السوداء في بلدانهم، أصبحوا زبائن محترمين أكثر لدى المركز المعني ولا يمكن الاستغناء عنهم. ونادراً –إذا حدث أصلًا- ما يُقيم الكاتب من هذا النوع الصلة بين مشكلات بلده والتأثيرات الاستعمارية الجديدة والتدخلات الأجنبية التي تعيث فساداً هناك، إذا كان يكتب لمركز يعرف أنه يخدم مؤسسة رسمية، أو للمحافظين، أو لجماعة ضغط أيديولوجية. وسوف يوظف الكاتب مهاراته في الكتابة والبحث وقد وضع نصب عينيه من الأساس خلاصات بحثه بحيث تؤكد فرضية المركز المعروفة مسبقًا.


في بعض الأحيان، يعلن المركز الفكري الغربي أنه معتدل، نزيه، وعازم بإخلاص على خدمة المجتمع المستهدف. لكنّ المعرفة التي أثبتتها الخبرة بنوايا أقسام ومعاهد ومراكز الدراسات الشرقية، تفيد بأنها بأنهم يدرسون الشرق من أجل استشراقه. وتحتاج دوائر صناعة السياسات والوكالات الأمنية في الغرب إلى فهم معمق للمنطقة بهدف المزيد من إخضاعها وليس رفعها. وسوف يشكرون كل باحث يحلل لهم المنطقة وأيديولوجياتها ومحركاتها من موقع الداخلي العارف.

 

وسوف يبذل الباحث المتحمس أقصى طاقته ليكشف لهم كل مستغلق ويفتح أعينهم ويعرّي العيوب ونقاط الضعف في بلده، وأمته.


بطبيعة الحال، ليست هناك مراكز فكرية عربية رصينة محايدة أو شبه محايدة تقريبًا. إن معظمها، على قلتها، تعمل كعلاقات عامة ودعاية عند دولة أو جهة فاعلة ما. ولا تستخدم الدول عندنا المراكز الفكرية لترشد بأبحاثها قراراتها الوطنية في اتجاه اقتراح سبل لتعزيز السيادة والتخلص من التبعية والتنمية الداخلية، بل إنها تحبط مثل هذه البحوث.

 

ولذلك، يختار باحثون بديل الغرب، ويُكيفون مع مراكزه خطاباتهم بحيث يرشدون ويعززون غايات تلك المراكز المعادية لنا غالبا وهو يضحكون ويلعبون ويفخرون بمنجزهم الأكاديمي –من دون نسيان الباحثين النزيهين الذين ربما يكتبون مجانًا للمراكز والمنشورات الأقل شهرة، وإنما الأكثر إنسانية واستعدادًا لإنطاق المهمشين.

 

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا