الكويت.. نموذج الدولة الراسخ بهدوء

على خلفية المشهد السياسي الراهن في الكويت، أجدني كل مرة أحترم تلك الدولة التي خذلناها "بأغلبية عربية" في أشد أزماتها وهي التي لم تخذل أحدا منذ نشأة الدولة فيها.

اضافة اعلان


في المشهد الأخير، تنتفض الدولة على ذاتها وتقرر تجديد نفسها ولا أشعر بأدنى قلق على الكويت ومسيرتها المؤسسية والديمقراطية لأنها ترسخت كحالة عريقة منذ صدور دستورها عام 1962 وكان أول مجلس تشريعي منتخب فيها عام 1963.


وعليه كانت الكويت من أعرق الأنظمة البرلمانية العربية، وبدلا من الأحزاب السياسية، استنبط الكويتيون من واقعهم اليومي وفضائهم المحلي صياغة أكثر ملاءمة لواقعهم فكانت الديوانيات، وهي التي يتم فيها قياس نبض الشارع، وتشكل بمجموعها رحم التيارات والكتل السياسية التي تنتهي في البرلمان الكويتي ممثلة لمصالح الناس وتوجهاتهم.


سقف الحرية السياسي في الكويت مرتفع وبحماية القانون نفسه، وهو القانون الذي يشرعه مجلس نواب منتخب، تحت حكم وراثي ينظمه عقد اجتماعي خاص متوافق عليه.


كنت أقرأ مرة عن تاريخ المسرح في الكويت لأكتشف أنه بدأ فعليا في ثلاثينيات القرن الماضي في مسارح مدرسية، وهذا يعكس وعيا مبكرا في تلك الإمارة الخليجية الصغيرة.


 وفي هذا المسرح نفسه كما باقي الفنون، كان النقد السياسي والذاتي وافرا في الأعمال المسرحية والفنية، وحين كان الجميع يتحدث عن تواجد أغنياء الخليج في لندن وباقي العواصم الأوروبية في سلوكيات ترف غير مسبوقة، كان الراحل عبدالحسين عبدالرضا أول ناقد في مسرحيته الشهيرة "باي باي لندن" للظاهرة التي لم يتردد الفن الكويتي نفسه في تعريتها، كما لم يتردد مسرح عبدالرضا في نقد ذاتي لاسع لظاهرة الثراء عبر المضاربات الخرافية في ما تم تسميته حينها "أزمة سوق المناخ" بمسرحية حملت اسم السوق نفسه وبسقف مرتفع في النقد لم يوفر فيه أحدا.


تاريخيا، الكويت كانت أول مناصر للقضية الفلسطينية، وحين تشكلت قوى التحرير الفلسطينية التي انتهت تجارا ورجال أعمال باسم القضية ذاتها، فإنه يسجل للكويت أنها كانت الحاضن الحقيقي والتمويلي لهم ليس بدءا من المهندس "عبدالرؤوف القدوة -ياسر عرفات" أو خليل الوزير أو صلاح خلف، وهم كانوا نواة حركة التحرير الفلسطينية آنذاك.


الكويت، قدمت الشيخ فهد الأحمد من أسرتها الحاكمة مقاتلا في صفوف الفدائيين (كان لقبه أبو الفهود) وقد قاتل الراحل بينهم وتم أسره ثم عاد إلى بلده لينتهي قتيلا على يد قناص عراقي أول الاحتلال العراقي للكويت.


الكويت (قبل مرارة الخيبة بعد احتلالها) كانت عبر صندوقها التنموي أكبر ممول لمشاريع التنمية في العالم العربي، وكانت وفود الإعارات والانتدابات من العالم العربي إليها منجم حوالات نقدية لبلدانهم، كما كانت مقاعد الدراسة في مدارسها الحكومية تقدم مناهج أكسفورد لتعليم اللغة الإنجليزية مثلا لكل مواطنيها ووافديها وتلك المناهج الدراسية التي تحمل شعار دولة الكويت ذاتها كانت معتمدة في غير دولة عربية بينها الإمارات العربية المتحدة التي أدين لمدارسها ولمناهج الكويت التي تتلمذت أنا شخصيا عليها في السبعينيات والثمانينيات بتأسيسي المعرفي الجيد، وهي مناهج مطبوعة طباعة فاخرة كانت توزعها الكويت مجانا لا في داخلها فقط بل في خارجها ولمن طلب المعرفة.


في المعرفة، كانت دورية المعرفة التي تقدم كل شهر موضوعا جديدا يكتبه مؤلف متخصص (بينهم أسماء ذوات مشهورة في العالم) تباع في العالم العربي كله بسعر رمزي تدعمه الكويت مقابل كتب عربية تطبعها دور النشر تباع بأسعار باهظة ولا دعم رسميا لها.


هذا تاريخ ثري يتجاوز حجم الجغرافيا لتلك الدولة الراسخة، وما يحدث فيها الآن استحقاق تاريخي مطلوب لتبقى الكويت دولة نموذجية حقيقية في مؤسساتها ودستوريتها التي حافظت عليها بلا انقطاع.

 

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا