المأزوم!

د.لانا مامكغ شعرَ بالسّأم لمّا بدأت شقيقاتُه الحديث عن مشاكلهنّ اليوميّة المعتادة، فسرح قليلاً، ثمَّ همَّ بمغادرة الغرفة ليعدل سريعا عن قراره حين تنبّه إلى أنّهن غيرن الموضوع، وصرن يصفن جمالَ إحداهن … وكيف أنَّ طالبي القربَ منها عديدون، وكيف لم يفلح أي منهم في كسب رضاها، أو ودها حتى الآن ! لم يعلّق في تلك الّلحظة، بل غادرَ بهدوء ليقضيَ ليلته يُفكّر؛ هو ينوي الارتباط، لكنّه يؤجّل الموضوع كل مرّة، ويتردّد بسبب شروطه الصّعبة … لأنَّ الجمال المثالي الكامل هو شرطُه الأوّل، إذ يؤمن أن الرّجل الذّكي هو من يختار الجميلة التي حين يفتح عينيه في الصّباح، ويراها أمامه، تثير شهيته على الحياة … لذلك، يريدُها شريكة تسحر الألباب، أنثى يفخر بارتباطه بها، وها هي الظّروف تستجيب لطموحاته، وسيثبت أنّه الأجدر بها، وسينالها لا محالة، إذ اعتاد منذ الصِّغر أن يحظى بالأفضل دائماً، وسوف يبذل أقصى ما يستطيع لتحقيق ما يريد، ولن تجرؤ على رفضه ! أعلن القرار لإحدى شقيقاته، مبديا الرّغبة في التعرف على الفتاة وعائلتها، فتلقى فرحة الأخت بزهو الفارس القادر الواثق … كيف لا ؟ وهو الذي يملك من الكفاءات والميّزات والمؤهّلات ما يجعل أيّ فتاة تتمنّاه لها! وكان له ما أراد، فتعارفت العائلتان، وأعدّت له ولها لقاءات حتى يتقاربا، ليجدَها كما تخيّل فعلا، وكما وُصفت له تماماً … ليوقن أنّها تستحق هذا الجهد الذي بذله حتى ينالها! وقضى ليالي طويلة وهو يحلُم بيوم الزّفاف، فكان يَعد السّاعاتِ والدّقائق مستعجلا الموعد، وهكذا، حتى تمَّ الزّواج أخيرا، فعاش شهورا وهو هائم بها، ويختلق الحُجج لاصطحابها إلى المناسبات الاجتماعية، ليقرأ في عيون الآخرين الكثير من الغبطة، والحسد أحياناً، على حسْن انتقائه، وعلى ذوقه الرّفيع! مضت مدّة، حتى أفاقَ ذاتَ يومٍ على حالة من الانطفاء … لمّا بدأت الأمور بينه وبينها تتخذ طابعا اعتياديّا رتيبا، لمّا غابت شمس الدّهشة… ولمّا أطفأ ظمأَه من التّجربة كلِّها! هالَه كيف تسلّل الفتور إلى شرايينه، وكيف تراجع توقُه لها، وكيف خفتت حيّويتُه أسبوعا بعد آخر، فكان يشعرُ أنّه يرى يوميا الّلوحةَ ذاتها، ويستمعُ إلى النغمة الموسيقيّة المكرّرة نفسها، حتى أحسَّ بالضّجر يلفّ دنياه كلَّها! وهكذا، كان لا بد من إيجاد حل لمشكلته، فهو محبط متعب، ولن يرضى أن يحيا عمره على هذا الإيقاع الممّل، فخطر له مصارحتها، لمّ لا ؟ الفراقُ بينهما أسهلُ من أن يفقد عنفوانه… ثمَّ بدأ يتخيّل السيناريو المرتقب؛ من المؤكّد أن آخرين سيهرعون للارتباط بها، فلن يكون لا الأول، ولا الأخير الذي يُفتتنُ بالجمال، ويسعى إلى امتلاكه … هنا، انتابه الرعب فجأة ليتساءل بغضب وحنق: "كيف لرجل آخر أن يحظى بها ؟ أن يقتربَ منها … أن يُقفل عليه وعليها باب واحد؟" وبدأ يردّدُ كأنّه يهذي: "مستحيل … لا يمكن، لن أسمح … هي مِلكي أنا ! " ثمَّ قرر البحث عن حل مختلف لأزمته …

المقال السابق للكاتبة

للمزيد من مقالات الكاتبة انقر هنا

اضافة اعلان