المخرج الوحيد من المأزق

ليس بالضرورة وحتما أن تقود الديمقراطية الى الحكم الرشيد، وليس بالضرورة وحتما أن تكون الحكومات البرلمانية المنتخبة أفضل من تلك المعينة. أقول هذا سلفا وأنا أقدم وجهة نظري بأن الذهاب الى صيغة الحكومة المنتخبة هو المخرج الوحيد من المأزق الراهن! إنه لم يعد مقترحا اصلاحيا بل حلا لا أرى بديلا له مع أزمة الحكومات كما نراها اليوم.اضافة اعلان
لنتفاهم وسط هذا الصخب والبلبلة حول النقطة التي نقف عندها. لم يعد المطروح تطبيق برنامج اصلاح وتطوير بل حل أزمة واستعصاء في ادارة الشأن العام! لم يعد هناك حكومة ترضي الشارع ولا رئيس وزراء يثق به الناس والثقة ببرامج الاصلاح تآكلت نهائيا، وهامش الحركة لدى أي حكومة محدود جدا لكي يشعر المواطن بأن هناك تغييرا في "النهج" ناهيك عن تحسن الأحوال المعيشية، وقد فاض الكيل مع المواطن، ليس ابن الطبقة الفقيرة فقط بل كل مواطن، فالغني ايضا بات يرى السلطة كائنا طفيليا موجودا فقط لازعاجه ومضايقته، يعتاش على حسابه ولا يقدم له شيئا. يلتقي الفقراء والاغنياء اليوم على فقدان الثقة، ولا يترددون في التعبير عن غضبهم دون خوف أو مجاملة كما لم يحدث من قبل، وهذا المؤشر يجب ملاحظته والتوقف عنده. لقد اسقطت الاحتجاجات الحكومة السابقة وهي قادرة على اسقاط الحكومة الحالية لولا أن الناس لم تعد مقتنعة حتى بتغيير الحكومات وتعتقد ان "الخلّ أخو الخردل"، وبالمقابل فإن أي مسؤول أو وزير بودّه لو يعلنها صريحة في وجوه الناس ويقول ان المشكلة فيهم وعندهم وليس عنده. فما الحلّ ؟!
أما وإننا وصلنا الى هذا الاستعصاء فأنا لا ارى مخرجا سوى وضع الكرة في ملعب الجمهور بكل جدّية أي أن يتفضل الشعب العظيم صاحب السيادة ليختار حكومته!؟ سيقال كالعادة إن هذا يحتاج الى برلمان حزبي وكتل برامجية ..الخ الخ. وأنا كتبت في مقال سابق ان المشكلة في الحقيقة معكوسة! يجب ان نقرر أولا اننا سننتقل الى الحكومة المنتخبة، وأن من يحصل على اعلى الأصوات في الانتخابات القدمة سيكلف بتشكيل الحكومة. وسنرى عندها أن كل رؤوساء الوزراء المحتملين وكل الطامحين لدور ما سينتقلون الى طريق مختلف اذ ليس لهم ان ينتظروا اشارة الملك بل عليهم السعي لتحقيق اغلبية برلمانية هذا وحده سيطلق ديناميكيات جديدة ويؤدي بالانتخابات لإفراز أحزاب برلمانية. وقد تناقشت في ذلك مع بعض الشخصيات الأكثر اعتدالا وكان رأيهم ان ذلك فعلا هو الحل. يجب أن يكون واضحا للناس أنهم يذهبون الى صناديق الاقتراع لاختيار من سيشكل الحكومة وليس فقط انتخاب شخص لذاته. وبالاتفاق على الهدف سيكون ميسرا وضع خريطة طريق للوصول اليه وفي المقدمة التعديلات المطلوبة على قوانين الانتخاب والاحزاب والكتل البرلمانية والتمويل العام،
لا بأس وقد قيل هذا من العودة لما بدأنا به المقال بأن الديمقراطية الناجزة لم تكن شرطا للتقدم الذي حققته بعض الدول ففي بلدان مثل سنغافورة وكوريا ظهرت قيادة مميزة وشعب تجاوب مع الخطط والسياسات الريادية وحصل تقدم اقصادي باهر والديمقراطية حققت تقدما لاحقا. والحكومات المنتخبة بذاتها أو وحدها ليست ضمانة للحكم الجيد والخالي من الفساد، وقد يحكم حزب أو ائتلاف بأسوأ الطرق تجعلنا نترحم على الحكومات المعينة من فوق! ولكن عندنا فالطريقة القائمة في تشكيل الحكومات قد استهلكت ولم يعد مقنعا ولا ممكنا الاستمرار بها ولم يعد هناك ردّ على المأزق الراهن الا أن نذهب دون التفاف او مداورة الى الخيار البديل وهو الحكومات البرلمانية المنتخبة وفي البال أن تخضع لرقابة مزدوجة من تحت - المعارضة البرلمانية ومن فوق - الملك.