المزيد من الوضوح

لم نشهد في وعينا السياسي مرحلة أكثر غموضا وتعقيدا من هذه المرحلة رغم أن معظم ما يجري منقول مباشرة عبر شاشات التلفزيون بالصوت والصورة، فما هو خلف تلك المشاهد خليط من التقاطعات والتناقضات والحسابات التي تبدو للوهلة الأولى بأنها تصب في اتجاه واحد محدد رغم أن الخلفيات كلها تشير إلى أنها ليست كذلك في الأصل وإن كانت تحدث في وقت متزامن مع الحرب الإسرائيلية على غزة!

اضافة اعلان


يستخدم المحللون المدنيون والعسكريون مصطلحات جديدة، وربما مبتدعة في محاولة لوصف التطورات التي من شأنها توسيع ساحة الصراع لتشمل الإقليم كله، وطرفا المعادلة هما إيران وإسرائيل على خلفية الملف النووي الإيراني المفتوح قبل يوم السابع من أكتوبر الماضي بسنوات طويلة، فنسمع تعبيرات مثل (حرب النقاط، والحرب الإلكترونية، وحرب الشاشات، وقرنا الثور) وغير ذلك من التعبيرات التي لا تفسر الكثير بقدر ما تزيد من الغموض والتعقيد لفهم ما يجري على حقيقته.


في هذه المساحة الضبابية التي تسود المنطقة كلها نحتاج نحن كأردنيين أن نرى موقفنا بوضوح، وأن نحدد موقعنا على خريطة الإقليم من منطلق أننا طوال الوقت كنا وما زلنا نرى طبيعة هذا الإقليم والتوازنات القائمة بأبعادها وعلاقتها المتشابكة مع التوازنات الدولية، وقد عبر الأردن عن مدى قدرته على فهم تلك التوازنات عندما قدم جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين رؤيته الاستشرافية لما يمكن أن يحدث إذا لم يسارع النظام العالمي إلى حل القضية الفلسطينية عن طريق حل الدولتين الذي يفضي إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة منذ العام 1967، ومنح الشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة فوقها، بعاصمتها القدس الشريف.


الأردن الذي يرى المشهد بهذا الوضوح لا بد منطقيا أنه يرى ويعرف موقعه من تلك التطورات التي توقع حدوثها، وهو ليس طرفا في هذا النزاع إلا من زاوية أنه معني بصورة مباشرة بقضية الشعب الفلسطيني، وبتحقيق الأمن والاستقرار في هذه المنطقة التي هو جزء منها، والآن وهو يرى توسع الصراع يدرك أن الوقت يطول في مساحة الإقليم  بينما يضيق بصورة خانقة على الشعب الفلسطيني في غزة والقدس والضفة الغربية!


لقد لخص نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية وشؤون المغتربين السيد أيمن الصفدي موقف الأردن من حرب النقاط القائمة حاليا بين إيران وإسرائيل في تغريدة قصيرة مفادها أن التصعيد الإقليمي خطر يجب منعه، ويجب في المقابل أن تبقى الجهود ويبقى التركيز منصبا على إنهاء العدوان الوحشي على غزة، وعدم السماح بدفع انتباه العالم بعيدا عن ذلك العدوان والجهود المبذولة لوقفه على الفور، وهذا الموقف سبق أن أوضحه الوزير لنظيره الإيراني مضيفا عليه رفض الأردن استخدام أجوائه من أي طرف، وفي ذلك تأكيد من جديد على قوة الموقف في مقابل استعراض القوة العسكرية.


قوة الموقف الأردني الذي يتوجب أن نفهمه نحن قبل غيرنا مبني على مبدأ ثابت يستند إلى الشرعية الدولية، وإلى حل النزاعات عن طريق التفاوض السلمي، وعلى حق شعوب هذه المنطقة بالأمن والاستقرار وتبادل المصالح، وهو يدرك أن إسرائيل لا تتجاوب مع القرارات الأممية، وأنها ماضية في إنتهاكها، وتلك مسألة تضعها أمام قضية السلم الدولي، وتضع الشرعية كذلك في مواجهتها وفرض إرادتها أو مواجهة ما هو أسوأ من ذلك أي انهيار النظام العالمي بأكمله.


نحتاج إلى مزيد من الوضوح لكي نرى، نحن أولا، موقف بلدنا وفهمه على حقيقته، فلا نسمح لأولئك الذين يلفهم الضباب ولا يرون موقع أقدامهم أن يدعوا بأنهم يرون موقفنا، ويستطيعون فهمه أو وصفه من قريب أو بعيد.

 

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا