المساخر التلفزيونية التي قهرتنا

ماهر أبو طير- كل الآراء الشعبية، تتفق في غالبيتها على ان الاعمال الدرامية الكوميدية خلال شهر رمضان الحالي، بلا استثناء، كانت بائسة، والفرق كبير بين الكوميديا، والدم الثقيل هنا وهناك. لست ناقدا فنيا، بل مجرد انسان مثل غيري تابعت الكثير مما تم بثه هذا العام من مسلسلات مختلفة، وكل مرة كنت اقول ربما هذه حلقة ضعيفة وحدها، وربما لاحقتها افضل، وكان الاحساس التراكمي، ان سمح لي عباقرة الدراما المستجدة، اننا امام دراما مسلوقة. هذا الكلام لا يستثنسي احدا من كل هذه الاعمال، حتى لا نصطف مع احد ضد احد، ولان رمضان شهر ديني، يتم صبغه بكل شيء، عدا جذره الروحي، مرورا بما يسمى الاعمال الكوميدية، فإن من حقنا ان نقول ان هذه الاعمال تقدم مجتمعنا بصور غير مناسبة، فهو المجتمع الاعلى تعليما في شرق المتوسط، وعلى جديته تليق به اعمال كوميدية تناسبه، لا ان تصبح الدراما مجرد ” تخويث” و” هبل” و ” مسخرة” مع الدم الثقيل، الذي مللنا منه جدا. يعتقد البعض اننا مجرد مجتمع متجهم، لا يضحك لرغيف الخبز الساخن، وهذا ظلم، لاننا شهدنا في سنين ماضية اعمالا كوميدية جميلة وهادفة، لا ينساها الناس، لكنها مشكلة النص والاخراج والتمويل، اليوم، وعدم فهم الذهنية العامة، التي تتفتح على اعمال درامية من كل الدول العربية، وتعقد المقارنات، فلم نعد امام شاشة واحدة، وبث واحد، نستسلم له. ربما ما يناسبنا اكثر، بكل فخر، الاعمال الجادة، والدراما التي تروي تاريخا عسكرياً، او فترة اجتماعية تحكي مرويات الاردن واهله وسردياته في مراحل مختلفة، بما في ذلك الدراما البدوية التي انتشرت في العالم العربي، وكذلك الدراما الكوميدية التي كانت مقبولة ومعقولة، وتتناسب مع كل مرحلة بمرحلتها، ولا تصطدم اليوم، مع جمهور يرى في كل هذا الهزل مجرد تسفيه للهوية الاجتماعية وتقديم للناس، من كل مشاربهم، بطريقة لا تتطابق مع الواقع وتفاصيله. حرية الانتاج تبدو مصانة، لكن من حقنا بعد اليوم، ان نرفع صوتنا عاليا، ونطالب بجهة لضبط المحتوى والجودة، في الاعمال الدرامية التي تبثها الشاشات بشكل عام، وفي ما يبثه فريق المؤثرين والمؤثرات، وهذا ليس تحكما بالآخرين، بل ضبطا للجودة، مع فهم دلالات كل هذا الانتاج، والى اين يختطف المجتمع، بشكل عام، وما هو النموذج الذي يكرسه في اوساط الشباب والشابات، من حيث تكريس هذه النماذج وتسييلها الى المجتمع باعتبارها هي نحن. لم يعد لدينا اي انتاج كبير، يليق بسمعة الأردن، داخليا، ولا عربيا، برغم ان تاريخنا الدرامي كان حافلا، ونحن ايضا نحب الدنيا ما استطعنا اليها سبيلا، ولا نريد ان نبقى في دائرة الاعمال الدرامية الجادة جدا فقط، او تلك الاعمال التي تروي قصص بطولات الافراد وحسب، مثل الاعمال الدرامية التي تتحدث عن التاريخ العسكري، ولا دورنا في كل جوارنا، لكن لا بد من احترام هوية الناس، وذائقتهم الفنية، واهتماماتهم، وهم في الاساس يتعرضون الى حرب شاشات عربية تجعلهم يتنقلون بين شاشة وثانية، ولا يخضعون لهذه المقاسات المستجدة في الدراما. اني اخشى كثيرا، من ان نكون جميعا امام بوصلة جديدة، لتمييع كل شيء، عبر حرب التفاهات التي يتم شنها على بيوتنا من خلال هذه المنتجات الاعلامية التي تتدفق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وشبكات التلفزة وغير ذلك، وهذه حرب متواصلة، كانت خلاصتها كل هذه المساخر التي نراها، والتي تتسبب بالعبوس، وليس التبسم، فوق ما يمكن نقده بشكل هائل، من ايحاءات والفاظ خادشة تتسلل احيانا هنا وهناك، فتزيد المساخر، مسخرة فوق ما فيها. من اعتبره الناس ناجحا هذا العام، فهو ناجح، ومن اعتبروه بائسا فهو بائس، لكن بين الحالتين، لابد من وقفة تأمل امام كل هذا المشهد، بكل تفاصيله، دون تجن او ظلم لاحد. وليعذرني من لا يعجبه هذا الكلام، فلا دوافع شخصية في البدء والخاتمة. المقال السابق للكاتب حروب غير مقدسةاضافة اعلان