النموذج الفكري ومؤشرات نمو التمويل الإسلامي (6-1)

تدخل الصناعة المصرفية الإسلامية العشرية الثالثة من القرن الحادي والعشرين في مرحلة جديدة يشهد فيها التمويل الإسلامي حالة من النمو المتصاعد على المستويين المحلي والعالمي، فبعد أن ظهرت هذه الصناعة في منتصف السبعينيات من القرن الماضي نتيجة ارتفاع عوائد النفط في العديد من الدول المنتجة له، أصبحت نشاطاتها انطلاقا من مبدأ تحريم الربا، مقابل طرح مبدأ المشاركة في الربح والخسارة بأدواته المعروفة؛ المضاربة، المرابحة، المشاركة، مع تأكيد أهداف التمويل الإسلامي والالتزام به في إطار الاقتصاد الحقيقي.
اليوم، أصبح الإقبال على المنتجات المالية الإسلامية أكثر من قبل؛ إذ يعزى هذا كله إلى ارتفاع المنافسة في قطاع المصارف العالمية وإلى التطور الهائل في المنتجات المقدمة من قبل البنوك في الأسواق المصرفية المختلفة، ولم تعد هذه الصناعة حبيسة أسواق محددة، بل لها وجودها إلى جانب التمويل الدولي وأصبحت لها مكانتها المهمة والمتنامية، فمعظم المؤسسات المالية الكبرى أصبحت مشاركة بشكل أو بآخر في التمويل الإسلامي في أكثر من مائة دولة حول العالم، ومن منطلق الحرص والحقيقة التي كانت تستوجب أن ننبه الى ضرورة وضع استراتيجة تسويق لمنتجاتها وتعريف المستهلك بأهمية توجهه الى المنتجات المالية الإسلامية، خاصة بعد الأزمة المالية والاقتصادية العالمية في العام 2008 التي عصفت بدول عديدة وأوشكت أن تنهار اقتصاداتها، واليوم يمكننا القول إنها؛ أي المصارف الإسلامية، أحرزت تقدما يسجل لها في مجال تسويق منتجاتها من ناحية، ومن ناحية أخرى نشر الوعي والتواصل المستمر مع المستهلكين للتعريف بمنتجاتها والخدمات المالية التي تقدمها والمتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، ثم الوصول إلى المعلومة التي أصبح من مرتكزات النمو والابتكار والتنافسية في صناعة التمويل الإسلامي.
نعم، نتحدث عن تطور هائل وسريع لهذه الصناعة مقارنة مع عمرها الزمني القصير، ولكن هذا لا يكفي لأن نحكم على نموها وتطوره بشكله الظاهري، بل لا بد من الأخذ بنظر الاعتبار المعاير المهمة لقياس هذا التطور، فحسب وكالة “تومسون رويترز”، والمؤسسة الإسلامية لتنمية القطاع الخاص، التابعة للبنك الإسلامي للتنمية، فقد نشرت في تقريرها الثالث في العام 2015 ضمن مؤشر تنمية التمويل الإسلامي، وقد حدد الاتجاهات الرئيسية في خمسة مؤشرات تعد الأهم لقياس تطور صناعة التمويل الإسلامي وتشمل هذه المؤشرات هي (التنمية الكمية والمعرفة والحوكمة والمسؤولية الاجتماعية والتوعية)، إضافة الى التكنولوجيا المالية بصفتها محركاً رئيسياً لقطاع التمويل الإسلامي، وتضمن له الاستدامة التي تتوافق مع الاستراتيجيات التي تتبناها مؤسسات التمويل الإسلامي.
إن هذه المؤشرات الخمسة تنسجم تماما مع النموذج الفكري للمصرفية الإسلامية المرتكز على أحكام الشريعة الإسلامية والالتزام الكامل بالضوابط الحاكمة لأي نشاط اقتصادي يعود بالمنفعة العامة على المجتمع، وبالتالي تحديد الصيغ والآليات التي تحقق الغاية من التمويل الذي تقدمه هذه المصارف والوسائل التي تتبعها لتحقيق ذلك، وبالتالي فإن كل مؤشر بمفرده يحتاج الى وقفة تأمل ودراسة معمقة لمعرفة الأهمية الكبيرة التي يمكن أن تؤديها لقياس تطور أداء التمويل الإسلامي.

اضافة اعلان

*باحث ومتخصص في التمويل الإسلامي