تأملات الهدنة

منذ عام 2008 شنت إسرائيل على غزة ما يقارب خمسة اعتداءات اعتبرتها عمليات عسكرية محدودة، بعضها امتد لخمسين يوما تقريبا، وفي اعتدائها الأخير مع طوفان الأقصى، أعلنت إسرائيل “حالة الحرب” وهو ما يعطي الجيش والحكومة صلاحيات ميدانية واسعة، والهدف الأساسي المعلن لحالة الحرب هو: القضاء على حماس واجتثاثها من الوجود، -وبلغة مضمرة- مع الاستعداد للتضحية بالأسرى الذين وقعوا بيدها! 

اضافة اعلان


الهدنة الأخيرة التي جددت ليومين؛ كشفت بشكل فاجع حجم المأساة على الارض، دمار شامل ممنهج، وقتل عشوائي يهدف إلى تغيير التوزيع السكاني في غزة، بنقل السكان من الشمال إلى الجنوب- بعد ان فشلت المحاولات الإسرائيلية الأميركية بتهجيرهم إلى مصر- لتجديد نكبة 1948.


حماس وعلى لسان قادتها كشفت أن محرك عمليتها هو الرد على الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى، أما هدفها  كما ورد على لسان الضيف، فهو معركة تحرير تهدف الى “إنهاء الاحتلال الوحيد الباقي في العالم”!، وقد جادل البعض أنه وفي ظل التفوق العسكري الإسرائيلي، فان هذا الهدف “غير واقعي” وغير عملي، يعتقد بعض المحللين والسياسيين!


حماس لم تشاور أحدا لا في توقيت العملية، ولا في شكلها ولا في أهدافها، ومن واقع أن أداء حماس منذ بدء العملية، أظهر قدرات بهرت كثيراً من المحللين العسكريين والسياسيين، وقدمت خطاباً إعلامياً متقدماً، ومن هذا الواقع، ما زال السؤال قائما، ما هي دوافع حماس لهذه العملية؟ وهل هي فعلا من باب التهور والمغامرات غير المحسوبة؟!


المتأمل للظرف الذي سبق العملية غزيا وإقليميا وعالميا، يلحظ انه ومنذ حكومة المستعمرين الإسرائيلية الحالية، فإن الأداء السياسي الإسرائيلي المدعوم بتأييد أعمى غير محدود من أميركا وأغلب أوروبا، هذا الأداء، بدأ يعمل علنا وبوقاحة غير مسبوقة لتغيير واقع الصراع الفلسطيني الصهيوني، نحو مزيد من قضم الأرض، وطرد السكان، كمتطلب لتطبيق يهودية الدولة، وصار الكلام عن تصفية القضية كلاما مباحا، وصفقة القرن مثال على ذلك. كما أن نتنياهو ووزراءه جابوا العالم بخريطتهم العنصرية، لإحياء فكرة إسرائيل الكبرى وإعلان موت حل الدولتين، وأخيرا وليس آخرا تصاعدت الاعتداءات على المقدسات الإسلامية والمسيحية، ونقلت فكرة التعايش في فلسطين إلى التعايش مع اليهود في الخليج العربي، باعتبار الفلسطينيين مرضاً خبيثاً سوف يجتث قليلا قليلا حتى ينسى، كل ذلك أمام ضعف السلطة وإضعافها بتحويلها إلى بلدية تدير شؤون سكان محليين وقتل خيار السلام الذي تبنته. 


أمام هذا المشهد أعتقد أن حماس شعرت أنها بأيديولوجيتها المعلنة هي العقبة الوحيدة الباقية أمام تطبيق مشروع تصفية القضية، أضف إلى ذلك أنها حليفة إيران في المنطقة، وقد يكون كسر شوكة حماس مطلوبا الآن باعتباره  كسراً لأنف إيران تمهيدا لعقد صفقات معها!


في ظل هذه المعطيات، يبدو أن حماس شعرت بتهديد وجودي لها وللقضية الفلسطينية، وقد قامت بعمليتها “كحرب استباقية” لتلافي هجوم محتمل عليها وعلى القضية، -إن صح هذا التحليل- فإنه يغدو مفهوما انها تقدم على هذه العملية مع علمها بالتفوق العسكري الصهيوني! كأن المسألة عندها غدت مسألة حياة أو موت!


هل انتصرت حماس؟ الجواب معقد وخاصة أمام الألم الحارق والدمار الشامل والحزن الذي نعيشه لحظة بلحظة، والميدان هو من سيحكم، ولكن واضح أنها الآن تجلس ندا بند في المفاوضات، وأنها أعادت مفاهيم أساسية للصراع العربي الإسرائيلي، وأهمها أن الاحتلال الصهيوني هو سبب الصراع والعنف وأن إنهاء العنف يكون بإنهاء الاحتلال، كما أن مقاومة المستعمر حق للشعوب، وان إسرائيل بلد عادي وليس “سوبر”، وجيشها من الممكن أن يقهر، وان كل التكنولوجيا لا تتفوق بالضرورة على الإيمان بالحق والتصميم والنضال لأجله، وأيضا كشفت هذه العملية زيف وجه دول كبيرة كنا نحسبها مصدر التنوير، كما كشفت زيف منظمات وجامعات وكذلك مؤسسات إعلامية أوروبية وأميركية، وازدواج معاييرها؛ الأمر الذي سيؤثر في سلوك العالم لسنوات قادمة، وبينت ان الشعوب الأوروبية حية ايضا، وهناك من اليهود من هم أقرب للقضية والحق الفلسطيني من بعض العرب، كما قلنا كل هذه التحليلات والتأملات سيحكم على  صحتها الميدان، ولكن في جميع الأحوال هذه حرب استباقية أعادت القضية الفلسطينية وعدالتها لتشكل ضمير العالم الحر، هذا العالم الذي قد يختلف في تشكيله الجديد كثيرا عمّا كنا نعتقده عالما حرا، فاهم على جنابك؟!!

 

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا