تراجع العولمة لصالح الالتجاء للذات

الدلائل على تراجع العولمة واضحة، مدفوعة بهشاشة سلاسل الإمداد العالمية والعلاقات الاقتصادية المسمومة بين الصين والولايات المتحدة، رغم استحالة الطلاق. هذا التوتر دفع الصين إلى خفض حيازتها من سندات الولايات المتحدة للشهر الثالث على التوالي، حيث بلغت في مارس 767.4 مليار دولار، بعد أن كانت 797.7 مليار دولار.

اضافة اعلان

 

  من جهة أخرى، إدارة بايدن مهتمة بإحياء قانون قديم يعود لعام 1933 يشجع على شراء السلع الأميركية، ولا يمكن تجاهل تأثير أزمة كورونا والحاجة الماسة للمستلزمات الطبية. بالإضافة إلى أزمة أشباه الموصلات وظهور تايوان كأكبر مُصنّع للرقائق، التي تعد من أهم المكونات الأساسية في سلاسل الإمداد العالمية.


لكن الاتكاء على تايوان في ظل المخاطر الجو السياسية والاقتصادية دفع بايدن في عام 2022 إلى تخصيص ما يزيد على 52 مليارا لتعزيز صناعة الرقائق، على إثره ‏باشرت الصين بإنشاء الصندوق الوطني للرقائق بقيمة تجميعية وصلت 78 مليار دولار، ثم جاء التصعيد الروسي الأوكراني وإشكاليات انقطاع القمح ونقص وارتفاع أسعار الطاقة، وزاد من أهمية روسيا وفرة خامات الليثيوم والنحاس والزنك والنيكل، لتزيد المشهد تعقيداً.


التغير المناخي دفع الدول نحو مزيد من الاعتماد على الذات في مجالي الطاقة والغذاء والاستفادة من طاقة الرياح والشمس، بجانب تشدد العديد من الدول المهتمة بحماية البيئة مما فرض قيودًا على المنتجات المستوردة غير الصديقة للبيئة، وقلل من جاذبية الأسعار الصينية الرخيصة. 


في السابق، كان التقدم الصناعي والحاجة إلى خفض التكاليف يدفعان إلى نقل الوظائف من الدول المتقدمة إلى الدول النامية. أما الآن، فالعكس يحدث. المواقف الحمائية تجاه الموظفين المحليين زادت نتيجة لارتفاع تكاليف النقل والشحن، وصعوبة ضمان جودة المنتجات المصنعة في الدول النامية، والتطورات التكنولوجية مثل الروبوتات والذكاء الاصطناعي التي أدت إلى أتمتة العديد من الوظائف التي كانت تُشغلها العمالة البشرية في الدول النامية، مما قلل من جاذبية نقل الإنتاج إليها.


بالنسبة للأردن، أصبح من الواضح أن تراجع المنح والمساعدات، وتوجه العالم ودول الإقليم نحو أمن الغذاء والطاقة والتصنيع المحلي، والتخلص من العمالة غير الماهرة لصالح مهن جديدة، والتحول نحو الذكاء الاصطناعي والروبوتات والعودة للبلد الأم مشتريات وموقعاً وعمالةً والتراجع عن التعهيد، كل ذلك يحتاج لوقفه أردنية جديدة مع الذات.


إعادة قراءة المشهد تكون بالمزيد من طاقة الرياح والشمس، وباللجوء للهيدروجين الأخضر وللنيكل وللزنك والصخر الزيتي، حيث النحاس مخزوناته المؤكدة والمجدية تُقدر بـ 2.5 مليون طن، والليثيوم الداخل في إنتاج الطاقة المتجددة وفي بطاريات السيارات الكهربائية يقدر بـ 20 مليون طن، كما يمتلك الأردن مخزونًا هائلاً من الصخر الزيتي، يتراوح بين 40 و80 مليار طن معطلة تحت الأرض من سنين طويلة، ولدينا السياحة بملياراتها القادمة بعد استقرار المنطقة.

 

العلاقات القادمة يجب أن يكون ديدنها أمن الغذاء والطاقة. وستكون مصلحية ثنائية وليست عالمية، بمعنى أن مفاهيم العولمة وتكامل الدول قيد الانقراض.

 

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا