تهافت فوكوياما..!

علاء الدين أبو زينة يُنظر إلى العالم والفيلسوف السياسي الأميركي، فرانسيس فوكوياما، على أنه واحد من أهم علماء السياسة في العصر الحديث. وأصبح كتابه الشهير «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» (1992) أساسًا نظريّا لتبرير الهيمنة الغربية على بقية العالم، على أساس التبشير- الذي لا بأس بأن يكون قهريًا- بـ»الديمقراطية الليبرالية» باعتبارها الدِّين النهائي ونهاية التطور الأيديولوجي للإنسان، وبالتالي عولمة الديمقراطية الليبرالية كصيغةٍ نهائيةٍ للحكومة البشرية. وكان أحد المرتكزات التي أقام عليها فوكوياما رؤيته لانتصار الديمقراطية الليبرالية، هو ما انتهت إليه الحرب الباردة من تحلل معسكر الاتحاد السوفييتي وانفراد الغرب بالهيمنة على العالم. افترضَ فوكوياما أن الحرب الباردة كانت صراعًا بين أيديولوجيات، وأن انتصار أيديولوجية الغرب، حرية السوق والديمقراطية الليبرالية، يعني تلقائيًا صلاحية الفكرة، بل وصلاحها المُطلق كشكل مرغوب للحوكمة. ولم يتطرق فوكوياما إلى العوامل المادية التي أدت إلى انتصار الغرب، وأهمها المكر، والقسوة الخالية من الرحمة، والعسكرة، والسعي الذي لا يكل إلى توسيع الهيمنة والاستئثار بالموارد والثروة العالمية. والآن، بعد عقود من انتهاء الحرب الباردة، وكل ما حدث ويحدث في العالم نتيجة انفراد «الديمقراطية الليبرالية» بالعالم، ما يزال فوكوياما يكافح بعناد لإثبات أن وصفته النهائية لسعادة البشرية ما تزال صالحة كما هي. ويقع فوكوياما في نفس الفخ الذي يقع فيه المنظرون الأيديولوجيون من كل الأنواع: الإصرار على أن العيب ليس في الفكرة، وإنما في طريقة تحقُّق هذه الفكرة في العالَم. هكذا كان حال الاشتراكية والشيوعية، والرأسمالية، والأديان المختلفة، ونظريات الحكم. وعلى المستوى الواقعي، كان التحقق العملي لكل هذه الاقتراحات معيبًا، ولم يصل بالبشرية إلى نهايات سعيدة. وأحد أهم الأسباب هو الأصولية المتزمتة الكامنة في كل هذه الاقتراحات، بحيث لا تقوم بتعديل نفسها أثناء اختبارها وتكشف عيوبها لدى التطبيق. في مقال له نشرته صحيفة «الفايننشال تايمز» في آذار (مارس)، بعنوان «حرب بوتين على النظام الدولي»، يستشهد فوكوياما بمقال لإيفان كراستيف، الذي يصفه بالمعلق الذكي، يقول فيه: «إننا نعيش جميعًا في عالم فلاديمير بوتين الآن». ويفسر فوكوياما: «عالم تدوس فيه القوة المطلقة بقوة على سيادة القانون والحقوق الديمقراطية». ويكتب فوكوياما: «في الوقت نفسه، أظهرت الأزمة الحالية أننا لا نستطيع أن نأخذ النظام العالمي الليبرالي الحالي كشيء مسلم به. إنه شيء يجب أن نكافح من أجله باستمرار، والذي سيختفي بمجرد أن نقلل من حذرنا». كما هو واضح، ما يزال فوكوياما يصر على أن «النظام العالمي الليبرالي» السائد الذي يتحداه بوتين، يمثل «سيادة القانون والحقوق الديمقراطية» ولذلك «يجب أن نكافح من أجله باستمرار». لكنه يعود في وقت لاحق إلى سرد العيوب التي يرفض أن يُسندها إلى ديمقراطيته الليبرالية: «تعرضت الليبرالية للهجوم منذ بعض الوقت، من اليمين واليسار. وتشير منظمة «فريدوم هاوس» في استطلاعها «الحرية في العالم» لعام 2022 إلى أن الحرية العالمية قد تراجعت بشكل إجمالي الآن طوال 16 عامًا على التوالي. وقد تراجعت -ليس فقط بسبب صعود القوى الاستبدادية مثل روسيا والصين، ولكن أيضًا بسبب التحول نحو الشعبوية، واللاليبرالية، والقومية داخل الديمقراطيات الليبرالية القديمة مثل الولايات المتحدة والهند». وفي التفسير، يكتب: «كيف تطورت الليبرالية إلى شيء غير ليبرالي؟ كيف وصلنا إلى هذه النقطة؟ في نصف القرن الذي أعقب الحرب العالمية الثانية، كان هناك إجماع واسع ومتزايد حول كل من الليبرالية والنظام العالمي الليبرالي… لكن الليبرالية الكلاسيكية أعيد تأويلها على مر السنين، وتطورت إلى اتجاهات أثبتت في النهاية أنها مقوضة للذات. على اليمين، تحولت الليبرالية الاقتصادية في أوائل سنوات ما بعد الحرب خلال الثمانينيات والتسعينيات إلى ما يسمى أحيانًا «النيوليبرالية». لا يقول فوكوياما إن «الديمقراطية الليبرالية» انطوت بنيويًا على إمكانية تطورها إلى «النيوليبرالية»، وأنها هي السبب الأساسي في ظهور المظالم التي عبرت عن نفسها في الارتداد على المؤسسة وتشجيع الشعبوية والاتجاهات الشوفينية. والأهم، أن فوكوياما لم يتحدث ولو مرة واحدة عن ازدواجية المعايير الطاغية في الفكر السياسي الغربي، ولا عن توسيع الفجوة المستمر بين شمال العالم وجنوبه من حيث نوعية الحياة والتقدم والثروة، بفضل «النظام العالمي الليبرالي» نفسه الذي يدافع عنه. سوف يفكك أي مراقب في العالم الثالث بسهولة عقيدة فوكوياما، بمجرد سرد الأحداث والنتائج التي حدثت في العالم، والتي أدارتها بالتحديد أنظمة «الديمقراطية الليبرالية» المتحكمة فيما يدعى «النظام العالمي الليبرالي». ثمة الغزوات، والتدخلات، ونهب الثروات، ودعم الأنظمة الاستبدادية التابعة، وتزايد معدلات الفقر في العالم، وانعدام المساواة حتى في دول الغرب نفسها. ولن يكون فوكوياما في التحليل الأخير غير أصولي متشدد، وربما منظر إرهابي بدليل الإرهاب الذي مارسه الغرب ضد العالم الضعيف بذريعة التبشير بـ»الشكل النهائي» الصالح للجنس البشري. وينبغي النظر إليه- لا من زاوية الإعجاب، وإنما كمنظر إمبراطورية ليس فيه ما يميزه سوى إخلاصه الأعمى المتجرد من الموضوعية وضيق الرؤية لمؤسسته الإمبريالية، والتغاضي العنيد عن الاعتراف بتهافت نظريته. المقال السابق للكاتب  أي بدائل لـ”نهاية التاريخ”..؟!اضافة اعلان