توريط الإعلام في إسكات "الآخر"..!

علاء الدين أبو زينة يعاني الإعلام العربي من أزمة عندما يتعلق الأمر بالمحتوى الذي يعرضه. ثمة الرقابة، الخارجية والذاتية، التي تحدد المحتوى والنشاط الإعلامي وتدجنهما. ويؤدي ذلك إلى تعميق أزمة مصداقية الإعلام وجدوى استهلاكه من الأساس. ومع الانصراف عن شراء المنتج الإعلامي، تنخفض الإيرادات، والكوادر، والمعلنين، وتستمر الدوامة الهابطة بالتداعي. وثمة الخسائر الأعمق المترتبة على تجريد الإعلام من وظيفته الرقابية على بقية السلطات وتكريس خضوعه لها –إذا كان يمكن أن يُسمّى تحت هذه الشروط سلطة على الإطلاق. ويتعرض الإعلام بالضرورة إلى الانتقادات الحادة من الجمهور على فقدان شخصيته وتخلفه عن الإضافة إلى الوعي العام، أو تمثيل الناس في إيصال أصواتهم، وكشف ما يسيء إلى حقهم، والتعبير عن رأيهم في القضايا الوطنية والمصيرية. بالإضافة إلى إخراج قاعدة “ليس كل ما يُعرف يقال” عن غايتها الأخلاقية لتقترب من “كل ما يُعرف لا يجب أن يقال” على الصعُد المحلية، ثمة اتجاه إلى التكتم على ما يقوله العالم عنا –أو حتى عن نفسه في علاقته بنا. وفي الحقيقة، يقول العالم عنا الكثير باعتبارنا أهل النفط وسوق الأسلحة وإقليم الأزمات وهدف مفضل للهيمنة. وبعيدًا عن انتقاد المنطقة العربية وثقافتها وعقائدها، ثمة الكثير من التحليلات الرصينة التي يجدر الاستماع إليها، التي تشير إلى عيوب حقيقية نحتاج إلى معالجتها. ولا يعني هذا أن محللينا عاجزون عن بسط المشكلات واقتراح الحلول، لكن الاستماع إلى الآخر يفيد دائماً، من حيث عرض منظورات مختلفة غير مقيدة بالانحياز الغريزي إلى الذات الجمعية، أو من حيث معرفة نوايا الآخر تجاهنا كما يظهر من خطابه، وكيف نواجه الاحتمالات مَن الذي يجب أن يرى ويَسمع؟ توظف سلطات صناعة القرار مؤسسات إعلامية داخلية ترصد ما يُقال وتُعِد ملخصات وإحاطات لما يُقال عنها –حتى لو كان المضمون منتقِدًا وعدوانيًا. لكنها لا تحب أن تصل هذه المضامين إلى الناس. ويُطلب من الإعلام إسكات “الآخر”، أي آخر يقول شيئًا مختلفًا. والقاعدة أنه كلما قلت معرفة الناس بالقراءات البديلة، كلما كان ذلك أفضل. ويُفترض في الإعلام أن يساهم في التكتم على ما يعرف من معلومات، فيخون وظيفته على طول الخط، بل إنه لا يساعد الغايات النهائية لأي مؤسسة وطنية مالكة للأدوات، حين يسكت عن فضح التجاوزات والانتهاكات، ويحجم عن مشاركة التحليلات والنظرات التي توسع فهمنا لعلاقاتنا المحلية والعالمية. في مرحلة ما، ساد اعتقاد بأن عولمة المعلومات، وصحافة المواطن، وعالمية الإنترنت، ستحل مشكلة الانتقائية في نشر “الحقيقة”. ولكنْ، سرعان ما تفطنت السلطات في كل مكان في العالم إلى هذا “التهديد”، وابتكرت الطرق للتغلب عليه. والآن، تلجأ الحكومات في الكثير من الدول إلى إغلاق الإنترنت حيث يلزم، أو إيقاف التطبيقات التي تتم بها مشاركة المعلومات، ومراقبة محتوى وسائل التواصل الاجتماعي وملاحقة أصحاب المشاركات غير المرغوبة. بل إن الشركات العالمية المشغلة لمنصات التواصل تراقب المحتوى وتحظر أصحاب المشاركات التي تتعارض مع رؤاها السياسية و”الأخلاقية”، لتكتمل الدائرة. كل هذا يعزز اتجاهات متآمرة على الذات، تفضل عدم سماع ما يقوله الآخر، على اعتباره أنه “ترهات”، أو “دعاية” أو “كذب” أو”غير أخلاقي. لكن ذلك لا يلغي أن مقولات الآخر نفسها تفسر ما نحن عليه في علاقاتنا معه عمليًا. على سبيل المثال، كان ثمة رفض متعصب لترجمة وقراءة الأدبيات العبرية، والصهيونية، بذريعة أن هذا خطاب العدو ولا ينبغي استهلاكه. لكن المعنى العملي لذلك أن تجهل عدوك الذي يفعل كل شيء لكي يعرفك، وتخسر فرصة استخدام المعرفة في الصراع. وبنفس الطريقة، نحرم الناس من الاطلاع على الأدبيات التي تصنفنا لأننا غير معجبين بالتوصيفات. لكن عدم الاستماع إلى الخطاب لا يلغي وجوده أو تجسداته في شكل السياسات التي تؤثر على كل تفصيل من حياتنا. كمثال على خطل المعايير، انتقد قارئ ذات مرة عبارات في مادة مترجمة تقتبس نصًا يصف فيه رئيس وزراء الكيان، نتنياهو، الشهداء الفلسطينيين بأنهم إرهابيون، والواقع أن هذا ما قاله عنهم وهو طبيعي من حيث موقعه. وأراد القارئ، على ما يبدو، أن نقوّله مقولاتنا فنضع على لسانه وصف “الشهداء” الذي لا يمكن أن يقوله، حتى لا نخون فكرتنا، وقس على ذلك على أي مستوى. إننا لا نريد أن نسمع أي خطاب غير منسوخ عن خطابنا وتوصيفاتنا، ولا يجب أن ننقله إذا كانت لدينا وسيلة للنقل. وفي كل ذلك تعبير عن فقدان الثقة في النفس وفي وعي الجمهور، وتأكيد على المزيد من تشويه الوعي، بما لا يمكن أن يأتي بخير. المقال السابق للكاتب  غرائبية السياسة.. فن التدمير..!اضافة اعلان