حتى لا نخسر مزيدا من الشهود

د. نهلا عبد القادر المومني- “مع كلّ صحفي يقتل أو يمنع من ممارسة مهنته بالترهيب والترويع، يفقد العالم شاهدا على الوضع الانسانيّ، وكلّ اعتداء يشوه الواقع يبث جوًا من الخوف والرقابة الذاتية”. هذه الحقيقة اختارتها الأمم المتحدة مقدمةً لخطتها بشأن سلامة الصحفيين ومسألة الإفلات من العقاب، هذه الخطة التي جاءت في ظل تزايد مستمر حول العالم لحالات الاعتداء وقتل الصحفيين؛ حيث أشارت الخطة ذاتها الى توفر أدلة مثيرة للقلق عن حجم وعدد الاعتداءات التي تستهدف السلامة البدنية للصحفيين والإعلاميين، بالإضافة الى المعطيات الأخرى المؤثرة في قدرتهم على ممارسة حرية التعبير ومنها؛ عدم التحقيق في الجرائم المرتكبة بحقهم وعدم مقاضاة المسؤولين عن هذه الجرائم، والى جانب ذلك تفيد الشبكة الدولية لتبادل المعلومات حول حرية التعبير بأن مرتكبي هذه الجرائم لا يحاكمون في تسع حالات من أصل عشر حالات، وأن استمرار حالة الإفلات من العقاب تؤدي الى استمرار دوامة العنف المرتكبة ضد الصحفيين. تعدّ سلامة الصحفيين ومكافحة الإفلات من العقاب- وفق الخطة ذاتها- عاملين أساسيين في حماية الحق في حرية التعبير الذي كفلته المعايير الدولية لحقوق الانسان، حيث ان انعدام حرية التعبير وحرية الصحافة بوجه خاص يحول دون بناء مجتمع يضم مواطنين واعين ونشيطين، فعندما يعمل الصحفيون في ظروف آمنة يكون بوسع الافراد الانتفاع بالمعلومات وتصبح أهداف كثيرة قابلة للتحقيق ومنها على سبيل المثال لا الحصر ضمان الحكم الديمقراطي وتحقيق العدالة وبناء ثقافة حقوق الانسان. بالرغم من اقرار خطة الامم المتحدة بشأن سلامة الصحفيين والإفلات من العقاب بضرورة حماية الصحفيين وتبنيها طائفة من التدابير الرامية إلى ضمان سلامتهم في مناطق النزاع أو المناطق الخالية من النزاع على حد سواء، وبالرغم من تأكيدها على أن التحقيقات المتعلقة بالجرائم المرتكبة ضد الصحفيين تبقى من مسؤولية الدول الأعضاء والتي يتوجب أن تتخذ كل الإجراءات القضائية الفعالة، بما في ذلك ضرورة وضع تشريعات في الإطار الوطني تجرم الاعتداء على الصحفيين وتلاحق المرتكبين بنزاهة وفعالية، بالرغم من ذلك كله ما يزال الصحفيون يواجهون انتهاكات متكررة ومستمرة خاصة في مناطق النزاع في ظل غياب لأطر تضمن ملاحقة المسؤولين وطنيا ودوليا على حدّ سواء. في ذكرى استشهاد الصحفية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة ومرور عام على هذا الحادث الأليم ما تزال الإشكاليات ذاتها قائمة وما تزال الأطر التطبيقية تعاني ضعفًا على المستوى الوطنيّ والإقليميّ والدولي فيما يتعلق بالحد من الإفلات من العقاب في الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين. مع التأكيد في هذا السياق على أن رفع دعوى لدى المحكمة الجنائية الدولية فيما يتعلق بالشهيدة شيرين أبو عاقلة تعد خطوة نوعية مهمة في إطار تفعيل ما يتعلق بالمسؤولية الجنائية الفردية على المستوى الدولي واستثمار الأدوات والوسائل القانونية في محاولةٍ للدفع بالقضاء الجنائي الدولي إقرار سوابق قضائية في هذا السياق حتى لا نخسر مزيدًا من الشهود على الوضع الإنساني كما أعلنت عن ذلك الأمم المتحدة في خطتها لحماية الصحفيين. المقال السابق للكاتبة السياسة العامة للإعلام والاتصال الحكومياضافة اعلان