حتى لو تغيّر المناخ..!

عايش الأردنيون في المنخفض الأخير نفس الخبرة السيئة التي تكررت في الشتاءات الأخيرة: مياه الأمطار وهي تهاجم المواطنين في المباني والشوارع والممحلات. وأصبح مجرد قدوم الأمطار، وليس الأعاصير، حالة طوارئ وطنية ومناسبة لجعل الخروج من المنزل –أو البقاء فيه في كثير من الحالات- مغامرة غير محمودة العواقب. ولا يُقتصر الخطر على مجاري السيول في البراري، وإنما شمل المدن، ومنها العاصمة نفسها.اضافة اعلان
التفسير الرسمي هو أن المناخ تغيّر، وأصبحت كميات الأمطار أكبر من قدرة البنية التحتية على الاستيعاب. لكنّ التفسير الأكثر واقعية هو الزيادة في عدد السكان، ومعها الأحمال على البنية التحتية، التي لم يواكبها التطوير الواجب لهذه البنية التي أصبحت متهالكة. وإذا كانت الأمطار "غير الاعتيادية" قد أصبحت العادي الجديد، فإن الجهد الواجب لم يُبذل ولم تكشف الأجهزة عن مرونة معقولة.
لا يجوز أن تداهم المياه السيارات والناس وتجرفهم في وسط عمان نفسها لمجرد هطل أمطار. ولا ينبغي أن يمر عنوان مثل "غرق وسط البلد" بل توقف متحفز عند معانيه الواقعية والرمزية. وإذا كانت المياه تصطاد الناس مرات في الأنفاق والمباني والمدن والأطراف، فإن المسألة أكثر من مجرد حدث عارض أخذ الأجهزة الرسمية على حين غرة.
في العالم كله، تُعامل البنية التحتية كمعيار صادق لقياس نجاح/ فشل الدول. الآن، يستشهد المتابعون بالفارق بين القطارات الأميركية القديمة وقطارات "الطلقة" الصينية، كعلامة على التفوق الصيني المقبل. وتخوض الصين صراع الهيمنة العالمية، في جزء مهم منه، بسلاح البنية التحتية بالتحديد، حين تستخدم مبادرة "الحزام والطريق"، مشروع تطوير البنى التحتية للدول، لتأمين ولاء هذه الدول وضمها إلى معسكرها. وعندما يقترح ريتشارد هاس إجراءات لتمكين أميركا من إدامة النظام الدولي الذي تهيمن عليه، فإنه يقترح "قيام الولايات المتحدة بترتيب بيتها الخاص –بتخفيض الديون الحكومية؛ وإعادة بناء بنيتها التحتية…".
لا حدود لأهمية عنصر البنية التحتية لجهة قياس تقدم/ تخلف البلدان، وجاذبيتها السياحية وحيويتها التجارية والاستثمارية وانسيابية الحياة فيها. لكن أسوأ مظهر يمكن تصوره لانهيار البنية التحتية هو أن تكون مهدِّدة لأرواح الناس وممتلكاتهم. وكان يجب أن يشكل ارتفاع منسوب المياه في شوارعنا لتكوين برك تعيق انسيابية الحركة مدعاة للقلق. أما أن تغرق الأمطار السيارات في أنفاق العاصمة، وتتدفق على شقق في بنايات مرخصة يفترض أن تكون آمنة، وتجر السيارات والناس في "وسط البلد"، فينبغي أن يجعل ذلك العيون لا تنام.
من غير المعقول أن يكون الإجراء القياسي عند كل منخفض هو وضع البلد في حالة طوارئ وتجنيد الآلاف من منتسبي الأجهزة، وكأننا أمام إعصار ميامي. ومن الواضح أن هذه الإجراءات هدر عبثي للطاقة، وأنها تنتمي إلى "إدارة الأزمة"، والتي لا تجنب الناس القلق على أرواحهم وممتلكاتهم بقدر ما تحاول التعامل مع العواقب بعد وقوع الضرر.
ينبغي أن يكون الإجراء المنطقي هو إدراك أن "الخارج عن المألوف" أصبح المألوف الجديد غير القابل للاستدامة. ويجب التعامل استراتيجياً مع الأسباب: شبكات تصريف المياه غير الكفؤة، وآثار التغيرات الجيولوجية التي أحدثها البناء غير المخطط الذي قتل الأراضي الزراعية لصالح الإسمنت والإسفلت، محوِّلاً وجهة مياه الأمطار عن المخازن الجوفية إلى الجريان السطحي.
إذا كان ثمة تغير مناخي حاد، بالدرجة التي يبالَغ في عرضها لتبرير فشل البنية التحتية، فأحوال الطبيعة خارجة عن إرادة البشر. لكن سُّبل التكيف مع التطورات الطبيعة هي خيار بشري لا يجوز تعطيله، خاصة إذا أصبحت أرواح الناس وممتلكاتهم على المحك. ومن المؤكد أن أي كلفة للاستثمار في البنية التحتية ستكون أقل بما لا يقاس من الخسائر المادية والمعنوية وسمعة البلد وتصنيفه والحياة فيه، التي يرتبها انحطاط هذه البنية.
قد يُلام الناس على التواجد قرب مجاري السيول وأماكن الخطر في الأحوال الجوية القوية، لكنهم لا يلامون على التواجد في البيوت وشوارع الحواضر والمحلات. وسيكون المواطن المتضرر في هذه الأماكن، بسبب رداءة البنية التحتية، محقاً إذا هو طالب بالتعويض عن خسائره بسبب تقصير المعنيين. أما إذا استمر حالنا مع المطر على هذا النحو، فسيترتب فرض حظر التجول وإطلاق صفارات الإنذار وإغلاق الشوارع عند كل مطر متوقع، وكأننا في حرب مع طبيعة جامحة لا تمكن مناجزتها. وليس الأمر كذلك!