حل العودتين (4)..!

‏في 27 أيار (مايو) 2010، بعد زيارة إلى البيت الأبيض، سأل ديفيد نيسينوف، وهو حاخام يهودي وصانع أفلام مستقل، عميدة صحفيي البيت الأبيض آنذاك، هيلين توماس، عما إذا كانت لديها أي تعليقات بشأن إسرائيل. وأجابته توماس: "قل لهم أن يخرجوا بحق الجحيم من فلسطين. تذكروا أن هؤلاء الناس مُحتلون وأن هذه أرضهم. إنها ليست ألمانيا، وليست بولندا". وعندما سئلت إلى أين يجب أن يذهب اليهود في فلسطين، أجابت: "يجب أن يعودوا إلى أوطانهم". وعندما سئلت عن مكان هذه الأوطان، أجابت توماس: "بولندا، ألمانيا، أميركا وكل مكان آخر".‏

اضافة اعلان


كان هذا الموقف في ذلك الحين، والآن، وفي كل وقت، آخر ما يريد أن يسمعه الصهاينة والمؤسسة الاستعمارية الغربية ككل. إنه لا يعني تحرير الشعب الفلسطيني والأمة العربية فحسب، وإنما يعني تفكيك القاعدة العسكرية الاستعمارية المتقدمة للغرب، التي تشرف على تحييد جزئنا المهم من العالم، وتجريدنا من إمكانية الفعل والتقدم والمنافسة واستعادة تقرير المصير.


ثم، في وقت قريب، تناقلت وسائل الإعلام تغريدة نسبتها إلى نائب رئيس شرطة دبي، ضاحي خلفان. وقد بحثت عن التغريدة وأحالني البحث إلى حساب خلفان في "إكس". ووجدت التغريدة ونسختها كما هي، ونقلتها أدناه كما هي. وأفترض أن وسائل الإعلام التي تداولت التغريدة يجب أن تكون قد توثقت من أنها ليست من حساب مزور، والعهدة عليهم:
*   *   *
حل العودتين 


"أعجبني هذا المصطلح الجديد "حل العودتين" وليس حل الدولتين مهما قصر الزمن أو طال، لن يكون هناك حل نهائي وعادل ومشروع ودائم للقضية الفلسطينية سوى حل العودتين، وليس حل الدولتين. ويدرك ذلك الكثير من اليهود الذين أجمع العديد من مفكريهم بعد النصر الطوفاني للفلسطينيين في 7 أكتوبر مثل كوهين ديفيد، وشلومو آلوني، ورونين كوفمان، وعزرا روزنثال، وفرانز ايهودا، على أن تجميع اليهود في فلسطين كان خطأ فادحا قادهم الى الدمار، وخديعة كبرى حرمتهم من الأمان الذي وعدوا به والذي كانوا ينعمون به أصلا في بلدانهم الأصلية، ومؤامرة ضخمة أوقعتهم فعلا في صراع دموي دائم مع أهل الأرض الأصليين الفلسطينيين صلبي المراس، ورأوا بأنه ليس هناك حل ناجع وأبدي ويتوافق مع القانون الدولي للقضية الفلسطينية إلا حل العودتين، وليس حل الدولتين، وهو يتمثل بعودة اللاجئين والنازحين الفلسطينيين إلى ديارهم وتعويضهم وفق قرارات الأمم المتحدة، وعودة اليهود إلى بلدانهم الأصلية التي جاءوا غزاة لفلسطين منها، وما زالوا يحتفظون بجنسياتها، حيث الأمان والرفاهية ورغد العيش.  مصطلح حلّ العودتين يجب أن يعمّم لأنه منطقي وواقعي وإلغاء استخدام حلّ الدولتين". (انتهى الاقتباس).


كان بين التعليقات على التغريدة، تعليق من حساب يعرف نفسه كما يلي: "مهتم بالقضايا العربية والعالمية.. المعلومة ستراها هنا أولا وبعد ذلك.. ستظهر لك في كل مكان". وكان التعليق كما يلي:


("لا أنا أقول تطالبوا بحدود 7 اكتوبر أحسن.. عن أي نصر طوفاني تتحدث هل أصابك وباء الدعشنة هل حتى أنت ترى أن هنالك نصر؟ أين هو النصر ما هي امارته؟ تعيشون أوهاما وأحلاما.. وتعتقدون أن عملية إرهابية قادرة على إخضاع دولة اسرائيل النووية. إذا أنت خفت من الحوثي وتراجعت عن قتاله.. فإسرائيل لا تتراجع حتى تبيد حماس. والأيام بيننا").


وتحته جاء رد على رد من حساب آخر، كما يلي:
"أنا يمني حوثي وما لكم أي علاقة فيما بيننا/ نحن أبناء عمومة نتقاتل بشرف ونتضارب لكن بالأخير راح نسد فيما بيننا وانتم مهزومون ومكسورون وستعودون من حيث اتيتم طواعية أو كرها أو في توابيت يا مزمزين. أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب وانتم طبعا غرباء وحثالات". (أي أخطاء إملاء وترقيم هي هكذا في الأصل).


الحوار يتحدث عن نفسه وعن طرفيه، وينبغي أن لا يصعب تقدير الأخلاقية أو عدمها لديهما. لكنّ هناك عربا يتبنون، للأسف، وجهة نظر "تعيشون أوهاما وأحلاما"، صراحة أو ضمنا.


في الحقيقة، ليس "حل العودتين" مفهوما جديدا ابتكرته توماس أو خلفان. إنه الحل الذي يتصوره الفلسطينيون، أصحاب الحق الوحيدون في تقرير نوع المطالبة بفلسطين (باستبعاد التفاحات الفاسدة التي توافق على شرعنة استيلاء العدو على ثلاثة أرباع فلسطين، أرض مواطنيهم المسروقة التي لا يقبلون عنها بديلا ولم يفوضوا قريبا ولا بعيدا بالتنازل عنها). وهو كذلك تصور الغالبية الساحقة من الشعوب العربية، انسجاما مع مبادئ الحق والنخوة والمصلحة القومية الواضحة.

 

ويبدو أنه يصبح كذلك الآن لأعداد متزايدة من الناس في العالم، ومنهم يهود، الذين يرددون شعار "فلسطين من البحر إلى النهر" –بعضهم بمجرد القراءة لربع أو نصف ساعة عن تاريخ الصراع في فلسطين.


في الأساس، إذا سلب أحد منك 1000 دينار تحت تهديد السلاح، في رابعة النهار وأمام سكان العالم كله كشهود، وادعى أمام المحكمة أنه سلبك مالك لأن نفس هذه الألف دينار كانت قبل 3000 عام في محفظة جده الكبير، فإن أي محكمة عاقلة ستحكم لك بالألف دينار غير منقوصة، إضافة إلى حبس السارق المأفون وتغريمه.

 

لن يقول لك قاض عادل عاقل أن عليك القبول بـ250 دينارا والتنازل عن الباقي للسارق الطليق –هذا إذا قبل السارق أن يعيد لك ربع ما سرق. أي قاض فاسد سيكون، وأي مؤسسة فاسدة يخدم!


التصور تبسيطي، أكيد، لكنه يختصر فكرة "حل الدولتين". وليس من الجائز أن يقال أن هذا هو المتاح، ولذلك هو عادل. إنه يمكن أن يكون المتاح، مرحليا، بسبب الإصرار على التخاذل والانكسار غالبا، لكنه "حل" لا يمكن أن يوصف بأنه عادل، دائم، شامل، ووصفة سلام الفلسطينيين والإقليم. إن التهويل من قوة السارق لتبرير إفلاته بما نهب –بل والتحالف معه علنا أحيانا ضد الضحية والمصادقة على ادعائه وفعلته- ليس عملا نزيها على الأقل، ناهيك عن كونه أقرب إلى وضع أفعى سامة في جيبك بادعاء أنها كائن أليف. (يُتبع)

 

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا