حل العودتين (5)..!

بالأمس، مر 76 عامًا على النكبة الفلسطينية. ويلخص عنوان المناسبة الفكرة: ما حدث في العام 1948، احتلال فلسطين ما عدا الضفة وغزة، هو النكبة الفلسطينية/ العربية التي بدأت في ذلك التاريخ، لكنها متواصلة كل هذا الوقت.

اضافة اعلان

 

والمعادلة واضحة، بالتعريف: نكبة الفلسطينيين (استعمار وطنهم واستيلاء الغزاة على ممتلكاته، وقتلهم وطردهم) = («استقلال إسرائيل»). وهذه المعادلة الصحيحة تاريخيًا لا علاقة لها بعبارات «الضفة الغربية وغزة»، أو «الأراضي التي احتلت في العام 1967»، وكل العبارات التي تستخدم الآن لوصف الحالة الفلسطينية التي تستوجب التصحيح هي: «النكسة الفلسطينية في 67» = (احتلال «إسرائيل» للضفة والقطاع/ أي «فلسطين») بمفهوم جماعة «أسلو» واقتراح «حل الدولتين»، وبذلك، فإن إغلاق ملف القضية الفلسطينية واستعادة الحق الفلسطيني يعني بالمفهوم المطروح دولة، غالبًا فاشلة سلفًا، في أراضي 67.


تفترض هذه المعادلة الثانية –خطأ بالتأكيد- أن المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني ومساعديه قد نجحوا في تحقيق الشرط الوجودي لحياة هذه الاستعمارات: القضاء الفيزيائي والتاريخي والثقافي على أصحاب الأرض الأصليين بحيث لا يعودُ هناك من يطالب بشيء، فلا تكون هناك قضية، ولا مَن يُعاد إليه حق.

 

لم يحدث للفلسطينيين ما حدث مع السكان الأصليين لأميركا الشمالية وأستراليا ونيوزيلندا، وهم حاضرون بقوة، ويتكاثرون، ويطالبون، ويقاتلون، ويجعلون الكيان الاستعماري مُداومًا 24 ساعة مفتوح العينين في الزي العسكري والبندقية في يديه، طباقًا لقول توفيق زياد: «والذي يغتصب الغير يعيش العمرَ خائِفْ».


كيف يتم تصحيح النكبة الفلسطينية (ولو أن شيئًا لن يعوض الفلسطينيين عن الظلم التاريخي)؟ بنقض ما فعلته وأنتجته، ومعاقبة المتسبب بها بقدر فداحة فعلته البشعة كما هي كاستعمار وحشي غير أخلاقي. وهو في الحالة الفلسطينية، ببساطة: إنهاء الاستعمار وخروج الغزاة، وعودة الفلسطينيين إلى وطنهم؛ تفكيك مولود النكبة البشع: نظام الكيان الاستعماري الاستيطاني الصهيوني العنصري الإبادي المارق على إرادة العالم، كما هو واضح الآن في رابعة النهار.


بطريقة لا تتصل بأي مفهوم صالح للعدالة، أصبح تأبيد نكبة الشعب الفلسطيني وتجريده من وطنه التاريخي هو الحل والتصحيح لنكبة الشعب الفلسطيني (المفارقة صارخة). أصبحت «نكسة» 67 فقط هي الخطأ الذي يُطالب المستعمِرون بتصحيحه. ويقول منطق «حل الدولتين» للاستعمار ما معناه» «صحتين على قلبك ما سرقته في الـ48 بالإبادة والتطهير العرقي. أعطهم –إذا تكرمت ما سرقته في الـ67. سوف نساعدك بطريقة لا تقدر بثمن على جعل ضحايا النكبة وأبنائهم وأحفادهم المنفيين، وأملاكهم وروايتهم، خارج التاريخ مرة واحدة وللأبد. ونرى أن هذا ثمن يستحق الدفع لتشريف حضرتك بيننا جارًا عزيزًا وحليفًا وشريكًا يُنوِّرنا ويُسبغ السلام والأمان على هذه المنطقة، التي يخربها وينزع استقرارها ’الإرهابيون‘ الفلسطينيون. سنساعدك لكي تُخلص لنا على ما تُدعى ’مقاومة’ هؤلاء الناس الذين يعيلون الفيروس المعدي لوهم الثورة والحرية وتقرير المصير».


بالنسبة للفلسطينيين، ومسانديهم وأنصار الإنسانية الذين يتكاثرون بقوة الآن في العالم بسبب صمود الفلسطينيين، هذا التعبير القاصر عن بلوغ أدنى صور العدالة والكرامة الإنسانية ذاهب بالتأكيد إلى الهزيمة. لو قبل الفلسطينيون بهذه الاقتراحات لانتهى ومعه قضيته منذ أمد طويل، لكنّ هذا الشعب الحي رفض المنطق التهويلي التثبيطي على طريقة «دي أميركا يابا»! أو «الجيش الذي لا يُقهر».

 

لو اقتنع بذلك أي شَعب مُستعمر لبقيت بريطانيا الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس؛ ولكانت فيتنام مستعمرة أميركية؛ والكونغو مستعمرة بلجيكية؛ والصين مستعمرة يابانية.


 بدلًا من ذلك، ثبَّت الفلسطينيون المثابرون مفردة الصمود، sumud، ومفهومها في القواميس العالمية، بنفس لفظها ومدلولها، لتشير إلى نضال الشعب الفلسطيني بالتحديد. وتكشف غزة الصغيرة المحاصرة الآن هشاشة الكيان الاستعماري المصنوع وحاجته إلى الإعاشة من القاعدة الاستعمارية الرئيسة في الغرب الاستعماري والحلفاء. حرفيًا، خاض الفلسطينيون طوال أكثر من قرن حربًا عالمية بقصد تحييده، ويخوض القطاع الصغير الآن معركة مهمة مع أميركا والغرب وحلفهما في العالم، ويثبت المقاومون الفلسطينيون ومساندوه أن بالوسع هزيمة الكيان، وتدمير دباباته وقتل مجرميه، وتشريد مستوطنيه، بتسليح خفيف مصنّع يدويًا –وإنما بإرادة عظيمة.


ليس ثمة منطق يمكن فهمه في الادعاء بأن أمن المستعمرة الصهيونية في فلسطين هو الشرط الإلهي لأمن الإقليم. كيف ذلك؟ كان الكيان وما يزال الشوكة الدامية والجرح النازف في خاصرة العرب من المحيط إلى الخليج، والسبب المقيم لتوتير الإقليم. كم من حرب تسبب بها الكيان، أو أُججت من أجل تكريس تفوق الكيان؟ كم من أرواح العرب ومقدراتهم أهدرها الكيان؟ كم من حرب خاضها الغرب ضد العرب لإدامة الثكنة الاستيطانية الصهيونية كمخفر متقدم يضبط «شغب» العرب من أجل حرية العرب؟ لكَم من الصعب العثور على أي استقرار في هذا الإقليم طوال كل العقود منذ مغادرة الاستعمار المباشر وغرس الكيان وتأمين الشروط وما ومَن يلزم لتأمين بقائه!


أيًا يكن. الفلسطينيون ليست لهم فرصة إذا قبلوا بتزوير سرديتهم الوطنية الخاصة وتحويل النكبة إلى حدَث وليس عملية. لا يستطيعون في الحقيقة. لا يستطيع صاحب يافا وحيفا وعكا واللد والرملة والجليل والنقب وأي بقعة من فلسطين التاريخية. ولا يمكن أن يروا لأنفسهم أمنًا ولا سلامًا في جعل مستعمريهم الوحشيين ونقيضهم الوجودي صاحب البيت في ثلاثة أرباع وطنهم –ولا حتى في ربعه ولا أقل. وبسبب موقعهم في الاشتباك، يعرفون أي جار شرير هو الذي سيعاني منه العرب بعد أن يفرغ من الفلسطينيين، وأي مصالح ستتحقق للهيمنة الغربية على حساب إقليم العرب.

 

إن إيجاد كيان استعماري استيطاني، ودعمه وإعاشته، يتبع منطق المصلحة العملية في سياق المنافسة العالمية على النفوذ والثروة. وحسب منطق «ما مُتَّع غني إلا بما جاع به فقير» المقبول عقليًا ورياضيًا، فإن تعظيم نفوذ الغرب وغناه وهيمنته في منطقتنا، بهراوة الكيان، يعادله انحطاط قيمة وثروة وحرية العرب، بكل تنويعاتهم ومراتبهم. وأي توصيفات زائفة لعلاقة من هذا النوع من المُهيمن الغربي، ووكيله، لا يمكن أن تخفي حقيقة هذا السياق.


الآن، يقترح يهود تقدميون نزيهون، ضمن أحرار العالم المتكاثرون «فلسطين من البحر إلى النهر»، ويقصون على الإقليم، كما يوضح بعضهم، تفكيك النظام الصهيوني العنصري الإبادي، وعودة الفلسطينيين إلى وطنهم، وإقامة دولة لكل مواطنيها (بمن فيهم من يقبل من اليهود) بهذا النظام الجديد على قدم المساواة. ومن شبه المؤكد أن هذا لن يلقى هوى عند الصهاينة المعجونين بالكراهية والاستعلاء وتقديس القتل، الذين يجب أن يُحاكموا على أي حال. سوف يرحلون كما يفعل كل استعمار يفشل في ترويض المستعمَرين على مر التاريخ. هذا هو الحد الأدنى الذي قد يقبله الفلسطينيون. هذه سرديتهم، وحقيقة قضيتهم.

 

إنها حتمًا السردية التي بدأت بـ»إعلان بلفور، فالاستعمار البريطاني، فالصهيوني.

 

وفي هذه السردية ثمة فلسطين واحدة، معروفة الحدود ومسجلة في الخرائط التاريخية. وعندما تتحرر فقط، ينتهي فصل مظلم من تاريخ الشعب الفلسطيني المستمر العظيم الذي يحق له أن يهتف: «أيُّ شيءٍ يقتلُ الإصرارَ في شعبٍ مكافِحْ/ وطني مهما نسوا/ مرّ عليهِ ألفُ فاتحْ/ ثم ذابوا، مثلما الثلجُ يذوبْ»–توفيق زياد).

 

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا