خريجو التوجيهي وسؤال المستقبل

أحمد عوض يعيش غالبية الطلبة الناجحين في امتحان الثانوية العامة “التوجيهي” حالة من التشويش هذه الأيام، عشية تقدمهم بطلبات القبول للمعاهد والجامعات، حيث يكثر الناصحون من مختلف الجهات لتوجيههم نحو التخصصات التي سيدرسونها، ويمتهنوها في المستقبل. لا شك أن اختيار مهنة المستقبل يعدُّ من أصعب القرارات التي يمكن أن يتخذها أي إنسان، خصوصا وأن أحلام الشباب والشابات كبيرة في هذه المرحلة العمرية، وهذا حق لهم، لكن يظللها معدلات بطالة مرتفعة جدا. هذه البطالة المرتفعة ناجمة عن العديد من الأسباب، أهمها الضعف الكبير الذي تعاني منه معظم القطاعات الاقتصادية، وحالة إشباع لعشرات التخصصات، يتم إرسال رسائل يوميا لحث الشباب والشابات لتجنب دراستها. أمام هذا الوضع، وأمام الأحلام والطموحات الكبيرة للشباب، من المفيد وضع مجموعة من الحقائق القائمة على التجربة العملية في التعليم والعمل أمامهم، يمكنهم الاستفادة منها عند رسم ملامح مستقبلهم. أولى هذه الحقائق تتمثل في أن من حقهم دراسة التخصص الذي يحلمون به، ويتناسب مع قدراتهم ورغباتهم وميولهم. ولكن عليهم الأخذ بالاعتبار أن هذه القدرات والميول تتغير مع الزمن، وبالتالي؛ عليهم تتبع هذه التغيرات وأن يكونوا جاهزين للتكيف معها. هناك مؤثرات أخرى تلعب دورا في تحديد المسارات المهنية للبشر، لعل أهمها توافر الوظائف في سوق العمل، والعوائد المالية لهذه الوظائف (الأجور)، لذلك نجد أن غالبية العاملين والعاملات ليس فقط في الأردن، وإنما في مختلف أنحاء العالم، يعملون في وظائف ومهن لم يدرسوها في المعاهد العلمية والجامعات. بإمكان أي شاب وشابة من خريجي امتحان الثانوية العامة، ويفكرون في طبيعة التخصص الذي سيدرسونه، والمهنة التي سيعملون فيها في المستقبل، استعراض المحيطين بهم، والمهن التي يعملون بها، والتخصصات التي درسوها، سيجدون بالتأكيد أن الحياة تأخذ غالبية الناس إلى مسارات مهنية لم يفكروا بها من قبل. هذا يقودنا إلى استنتاج يتمثل في رسالة نوجهها لهؤلاء الشباب والشابات، تتمثل في أن العامل الحاسم في نجاحهم مهنيا في المستقبل يعتمد على مدى قدرتهم على التكيف والاستجابة لحاجات أسواق العمل والمعارف والمهارات التي تمكنهم الحصول على عمل فيه. صحيح أن قدرات الاقتصاد الأردني على توليد فرص عمل جديدة ولائقة للداخلين الجدد وصلت مستويات ضعيفة جدا، وصحيح أن الحصول على وظائف لائقة غير متاح للجميع بفرص متساوية، فهنالك الواسطة والمحسوبية وغيرها، وصحيح أيضا أن فرص التشغيل تراجعت بشكل ملموس خلال السنوات الماضية لأسباب كتبنا عنها الكثير. ولكن الصحيح أيضا، أن الشباب والشابات أصحاب القدرات والمعارف والمهارات العالية يحصلون على فرص عمل جيدة بوقت أسرع، لا بل يحصلون على أجور تتنامى بشكل كبير، مع تنامي خبراتهم في سوق العمل. النظام التعليمي في الأردن تراجع خلال العقود القليلة الماضية بشكل ملموس، الأمر الذي ظلم مئات الآلاف من الشباب والشابات، وحال دون حصولهم على وظائف جيدة ولائقة، لكن، هذا يتطلب منهم استثمار المزيد من أوقاتهم -التي تهدر في أنشطة غير ذات قيمة- في تعلم معارف ومهارات إضافية تمكنهم من الحصول على وظائف جدية بشكل أسرع، وتمكنهم من مواجهة التحديات الجديدة في أسواق العمل. هذه دعوة إلى الشباب والشابات للاعتماد أكثر على الذات، وأن لا ينتظر أحدهم أن يسلمه أحد مفاتيح النجاح في الحياة، هم وحدهم من يمتلكونها؛ مزيد من الاستثمار في تعلم اللغات وبخاصة الإنجليزية، ومهارات الحاسوب، ليس فقط مبادئ تشغيله، بل هنالك آلاف البرامج والتطبيقات يمكن اختيار ما يلزم منها، إلى جانب ثقافة احترام العمل والالتزام به. كل هذه مهارات يمكن تعلمها بالمجان، لأن غالبية شبابنا وشاباتنا لديهم الهواتف النقالة الذكية التي تمكنهم من الدخول على الإنترنت، وبالتالي الدخول على أي دورات تدريبية بمختلف المجالات. مرة أخرى، معدلات البطالة مرتفعة جدا، ولكن الشباب والشابات الذين يمتلكون القدرات والمهارات والمعارف القوية يحصلون على وظائف جيدة ولائقة بشكل أسرع من غيرهم. المقال السابق للكاتب  للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنااضافة اعلان