خطاب لا يمثل الفلسطينيين (2-1)..؟!

المفترض في أي هيئة تضطلع بالتمثيل السياسي لشعب -أي شعب- أن تسترشد بإرادة الشعب ورأيه. وحتى تفعل، يجب أن تكون هناك آليات لمحاسبة هذه الهيئة أمام الشعب إذا أساءت تمثيله –أولا عن طريق انتخابات حرة ونزيهة يمكن أن تطيح بالهيئة الحاكمة المعنية واستبدالها؛ وثانيا عن طريق إمكانية محاسبتها ونزع الثقة عنها في برلمان تمثيلي غير داجن، ترشح وانتُخب في انتخابات حرة ونزيهة، يُحاسب بإسقاطه هو نفسه في الانتخابات التالية. هذا في أي كيان سياسي راسخ يدعي شرعية التمثيل.

اضافة اعلان


أما في حالة الشعوب المستعمرَة، فإن التمثيل النزيه لإرادة الشعب هو الشرط المسبق والأساسي الذي لا بديل عنه لقيادة حركة التحرر الوطني حتى يتحرر هذا الشعب. منطقيا، يجب أن يكون إجماع هذا الشعب هو التحرر الكامل من الاستعمار، والعداء المطلق للاستعمار واستهدافه بالإلغاء المطلق بكل تعبيراته وتجسداته، وسلوك كل الطرق الممكنة لتحقيق هذا الهدف. ويجب أن تكون مهمة هذه القيادة هي تحشيد كل إمكانيات الشعب، وتجميعه على هذا القاسم المشترك الأساسي والمنطقي: التحرر الكامل. وإذا لم تتمكن القيادة المعنية من إحراز تقدم ملموس على هذا الطريق، فإنها تفقد الشرعية الشعبية وتصبح عبئا، وينبغي أن تتنحى –إذا كانت شريفة- أو يتم إسقاطها إذا تشبثت بالقيادة بطريقة غير مشروعة.


كانت هذه المسألة، وهي الآن أكثر من أي وقت مضى، أهم معيق لتقدم حركة التحرر الوطني الفلسطيني. وكما هو معروف، تُختزل المعضلة الآن في التناقض المطلق بين اتجاهين، يُفترض أنهما يعملان لتحقيق نفس الغاية المعروفة في نضالات إنهاء الاستعمارات –مرة أخرى إنهاء الاستعمار لا غير.


في ضوء هذه النظرية، وفي الحالة الفلسطينية حيث يشتبك الشعب الفلسطيني الآن في معركة مصيرية مع العدو الوحشي، ظهر قبل فترة وجيزة تبادل اتهامات بين "فتح" و"حماس" بالانفصال عن الواقع. كل قيادة تعتقد بأنها هي المتصلة بالواقع والأخرى منفصلة عنه. ولكن، أي معيار يمكن تصوره لقياس الاتصال والانفصال في هكذا ظرف؟ الجواب الذي يخطر في البال أول ما يكون: الاتصال بالواقع هو أولا تحسس مزاج الشعب المعني بالصراع، وتقدير إرادته، ثم صياغة السياسات والأدوات التي تعبر عن هذا المزاج وهذه الإرادة. وبغير ذلك، أي اتصال بالواقع، وأي تعبير واقعي يمكن أن تتخذه قيادة عندما تكون هي في واد والشعب الذي تدعي تمثيله وخدمة قضيته في وادٍ آخر؟


حسنًا. الطريقة الممكنة لقياس مزاج الشعب الفلسطيني، والشعب العربي المساند، وحتى المناصرين للقضية الفلسطينية إذا كان ذلك يهم، في غياب انتخابات حرة، هو استطلاعات الرأي –أو ما تؤشر عليه غالبية معقولة من استطلاعات الرأي- واتجاهات كُتاب الرأي الوازنين في المقالات والمقابلات؛ والمشاركات الشعبية في وسائل التواصل الاجتماعي.


لتلخيص الحالة الفلسطينية على هذه الخلفية، نُشر في الأيام الأخيرة خبران، موضوعيان، ينقلان حدثين كما حدثا، ويصعب التشكيك في محتواهما:
أولًا: نشر موقع "العربية"، من بين الكثير من وسائل الإعلام، قبل يومين الخبر التالي المنقول نصًا:


(هاجم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أبو مازن، حركة حماس، خلال كلمته التي ألقاها، الخميس، في القمة العربية الثالثة والثلاثين والتي تستضيفها البحرين.


واتهم الرئيس الفلسطيني الحركة بتوفير ذرائع لإسرائيل كي تهاجم قطاع غزة قائلاً: "العملية العسكرية التي نفذتها حماس بقرار منفرد في ذلك اليوم، في السابع من أكتوبر، وفرّت لإسرائيل المزيد من الذرائع والمبررات كي تهاجم قطاع غزة وتمعن فيه قتلا وتدميرا وتهجيرا".


وأكد أن "ما فعلته حماس كان قرارا منفردا وغير مسؤول"، مضيفا "حماس هي التي ترفض إنهاء الانقسام الداخلي"). انتهى الخبر الأول.


ثانيًا: نشر موقع "الجزيرة نت" في 13 كانون الأول (ديسمبر) 2023 الخبر التالي، الذي تناقلته معظم وكالات ومواقع الأخبار بنفس المحتوى:


(أظهر استطلاع للرأي بين الفلسطينيين ارتفاعا في تأييد حركة المقاومة الفلسطينية (حماس) في قطاع غزة الذي يتعرض لعدوان إسرائيلي متواصل، بينما أظهر رفضا ساحقا لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس مع ما يقرب من 90 في المائة يقولون إنه يجب أن يستقيل.


وحسب نتائج الاستطلاع الذي أجراه "المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية" بالتعاون مع مؤسسة "كونراد أديناور" في رام الله "ارتفعت نسب دعم حماس في الضفة الغربية 3 أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب".


ووفقا للاستطلاع الذي أجري قبل أيام وأعلنت نتائجه اليوم الأربعاء فإن ما يقرب من 70 في المائة من الفلسطينيين طالبوا بحل السلطة الفلسطينية، كما رأى 90 في المائة من الفلسطينيين أن الرئيس عباس يجب أن يستقيل.


كما أظهر الاستطلاع ارتفاع نسبة تأييد العمل المسلح لمواجهة الاحتلال، حيث يرى أكثر من 60 في المائة من الفلسطينيين الذين شملهم أن "المقاومة هي الطريق الأمثل لإنهاء الاحتلال".


وبشأن عملية "طوفان الأقصى" التي نفذتها كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس في 7 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي أعربت الأغلبية العظمى من المستطلعة آراؤهم في الضفة وغزة أن قرار الهجوم كان صحيحا، وقال 72 في المائة ممن شملهم الاستطلاع أنهم يؤيدون طوفان الأقصى). انتهى الخبر الثاني.


لا تختلف نتائج هذا الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة فلسطينية موثوقة تعمل في رام الله عن نتائج الكثير من الاستطلاعات الأخرى التي استكشفت رأي الفلسطينيين بشأن أداء "السلطة الفلسطينية"، سواء من حيث السلوك والقرارات، أو من حيث تمثيلها للتطلعات الفلسطينية. ويستطيع من يريد التأكد أن يراجع بسهولة نتائج هذه الاستطلاعات. وما تقوله معظم النتائج هو أن "السلطة الفلسطينية" لا تمثل بأي طريقة يعتد بها رأي ولا إرادة الشعب الفلسطيني. فلماذا تصر على التحدث باسمهم، بالإضافة إلى أسوأ شيء يمكن أن يحدث في أي حركة تحرر: (تكفير) المعارضين –حتى لو أنهم الأغلبية- المشتبكين بأجسادهم في المعركة مع العدو في صراع حياة أو موت واتهامهم بما يشبه "معاداة الشعب الفلسطيني"؟! عجيب! ينبغي أن تكون حياة وسمعة كل فلسطيني، مهما كان رأيه –باستثناء أي شبهة عليه بالتعاون مع العدو، أو التنسيق معه، أو خدمة أمنه وبقائه ومصالحه- مقدسة عند أي قيادة فلسطينية وطنية حقيقية، حيث دمه، وحريته، وقيمته، وكرامته والسماح بِـ –ناهيك عن التحريض على- استهدافه بأي شكل من الأشكال، حرام. (يُتبع) 

 

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا