خيارنا الوحيد ومنظومة إجراءات فورية (2 - 6)


يُعد النص الدستوري "يجوز لأي عضو من أعضاء مجلس النواب أن يستقيل بكتاب يقدمه إلى رئيس المجلس وتعتبر الاستقالة نافذة من تاريخ تقديمها" خروجا أو التفافا على النص الدستوري "لا يجوز الجمع بين عضوية كل من مجلس الأعيان أو مجلس النواب وبين منصب الوزارة"، علما بأن هذين النصين قد أدخلا في التعديلات الدستورية الأخيرة. وقد لا يكون من المناسب أن يستقيل النائب ويتحلل من التزاماته النيابية بمجرد تقديمه الاستقالة. ولنا أن نتخيل أيضا فوز أحد الأحزاب مستقبلا بعدد كبير من المقاعد النيابية بشكل يؤهل ذلك الحزب لتكليفه بتشكيل الحكومة فقد يدفع بنوابه إلى الاستقالة لدخول الحكومة ودخول من يليهم في القوائم الانتخابية لعضوية مجلس النواب وإجراء سلسلة دورية من التعديلات الوزارية يقابلها استقالات عدد من نواب الحزب من مجلس النواب بالشكل الذي يضمن الحزب من خلاله دخول عدد كبير من منتسبيه الحكومة ومجلس النواب ولا اعتقد أن هذا يخدم التحول الديمقراطي بل قد يكون تحايلا عليه.

اضافة اعلان

 

  التراجع عن تخفيض سن المرشح للانتخابات النيابية إلى 25 عاما، فمحدودة ما لديه من معرفة وخبرة قد لا تُمكنه من التصدي لمهام التشريع والرقابة بالشكل المطلوب. ولكن لا بأس في البقاء على ذلك السن بالنسبة للبلديات ومجالس المحافظات وغيرها. 


التراجع عن التصعيد الذي أدخل مؤخرا في صلاحية النظر في صحة نيابة أعضاء مجلس النواب من محكمة الاستئناف إلى محكمة التمييز "محكمة القانون" التي تمثل أعلى درجة تقاض فذلك التصعيد لا يخدم الدولة في شيء. 


التراجع عن التوسع في عدد المؤسسات التي خرجت عن التبعية للحكومة والذي كان بفعل أفكار غربية لا تطبق هناك في تلك الدول وقد يكون لها أهداف خفية، ومنها نقل مهمة متابعة شؤون الأحزاب السياسية من وزارة الداخلية إلى وزارة الشؤون البرلمانية والسياسية ومنها مؤخرا إلى الهيئة المستقلة للانتخاب بدافع أنها محايدة ومستقلة عن الحكومة. وهذا أيضا لا يخدم الدولة ولا الحياة الحزبية السياسية في أي شيء. باختصار لا وجاهة ولا مبرر موضوعي لتفريغ دوائر الحكومة المركزية من مهامها، فإن كان هناك مشكلة فحلها ليس بنقل المهمة بل بمعالجتها في مكانها. كما أن ذلك ينال من الثقة بمؤسسات الدولة واحدة تلو الأخرى وما نشهده مع مرور الأيام من مظاهر الاستقواء عليها قد يكون نتيجة طبيعية لذلك وقد يضعف هيبة وحضور القائمين عليها. 


إلغاء ذكر أي مؤسسة في الدستور باستثناء ديوان المحاسبة فقط، لأن الدستور "القانون الأساسي" ينص على المهام والواجبات وليس على الشكل المؤسسي الذي يتولى هذه المهام فمكانه الصحيح القوانين. 


جلالة الملك هو رأس الدولة (مادة 30) والسلطة التنفيذية مناطة به (مادة 26) والسلطة التشريعية مناطة بمجلس الأمة والملك (مادة 25). وبالتالي جلالة الملك يترأس أي اجتماع إن حضر فهو رأس الدولة وبالتالي لا حاجة للنص على أن جلالة الملك هو رئيس مجلس الأمن الوطني والسياسة الخارجية، حيث تقع المسؤولية على أعضاء المجلس وليس على جلالة الملك انسجاما مع نص المادة 30 من الدستور فالملك مصون من كل تبعة ومسؤولية.


نص الدستور على "يُنشأ مجلس الأمن الوطني والسياسة الخارجية ...". وكلمة "يُنشأ" توحي بأن هذا المجلس سيكون له كيان مؤسسي "مؤسسة" وليس مجلسا مكونا من عدد من الأعضاء. إذا كان الأمر كذلك، فالسؤال من يرأس هذا المجلس (كمؤسسة) تنفيذية ومن آمر الصرف فيه ومن يمارس الصلاحيات الواردة في الأنظمة وما إلى ذلك؟ وعليه، أرى أن يعدل النص ليصبح "يتألف أو يتشكل مجلس الأمن الوطني والسياسية الخارجية من... ". وبالتالي لا يتطلب الأمر كيان مؤسسي "مؤسسة" لها شخصية اعتبارية وما لذلك من تبعات وموازنات ونفقات.


العودة عن اتاحة إشغال المواقع القيادية في الدولة من رتبة أمين عام وما في حكمها ورتبة وزير وما في حكمها وعضوية مجلس الوزراء ومجلس الأمة وما في حكمهما لمزدوجي الجنسية، تفعيلا لمساءلة ومحاسبة هذه الفئات دون تدخل أي دول يحمل هؤلاء جنسياتها.

 

وقد ثبت بالتجربة أن لا جدوى حقيقية تذكر من اتاحة الازدواجية في الجنسية في هذه المواقع القيادية وسرعان ما كان ينتقل بعض هؤلاء إلى تلك الدول بعد خروجهم من الموقع مباشرة منفقا هناك ما حصل عليه من رواتب تقاعدية أو امتيازات.

 

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه عندما طرح مشروع التعديل الدستوري بإتاحة أزدواجية الجنسية في عام 2016، كنت معارضا تماما لهذا التعديل الدستوري ولكن في ضوء مداخلات الزملاء الوزراء في جلسات النقاش آنذاك تغّير موقفي وتنامى لدّي انطباع بجدوى ذلك في استقطاب كفاءات تُحدث نقلة نوعية في الأداء العام وتجلب رؤوس الأموال للاستثمار في المملكة لذا دافعت عن ذلك التوجه في الإعلام.

 

ولكن للأسف الشديد لم يتحقق شيئا من كل ذلك وأثبتت التجربة عدم جدوى ذلك التوجه.


تم إضافة كلمة "والأردنيات" بعد كلمة الأردنيين في عنوان الفصل الثاني من الدستور مؤخرا، وأرى أن النص كما كان سابقا (قبل التعديل) أكثر تحقيقا للمساواة بمعنى كلمة "الأردنيين" تسري على الطرفين وهذا أكبر سند ودليل على عدم التفريق.

 

إذا كان هناك خلل في الممارسة، فعلاجه هناك وليس في الدستور.


أما مكان ادخال التعديلات الأخيرة في فصول الدستور، فأرى أنه لم يُحافظ على الغاية من تصنيف مواد الدستور في فصول وذلك بأن تدخل التعديلات في الفصول ذات العلاقة وأن لا تذهب إلى فصل "مواد عامة". وبالتالي، لا بد من إعادة التصنيف والتسلسل لمواد الدستور. 


أرى بشدة ضرورة الإبقاء على السند الدستوري للقرارات التفسيرية التي صدرت عن المجلس العالي لتفسير الدستور بمعنى الإبقاء على قانونيتها فهي ما تزال نافذة.

 

أدرك تماما أن الدستور قبل التعديل الأخير نص على اعتبار تلك المادة ملغاة حكما حال وضع قانون المحكمة الدستورية موضع التنفيذ. وكان الأولى والأصح قانونيا حينها النص على عدم تأثير إلغاء المادة على القرارات التفسيرية التي صدرت عن المجلس العالي قبل إلغاء تلك المادة.

 

كما أدرك تماما أن السبب في أن الإلغاء كان للمادة وليس للمجلس العالي هو لأن المجلس ليس له شخصية اعتبارية حتى تلغى. ولكن على الأقل ورغم إلغاء المادة حينها إلا أنها ما تزال ضمن نصوص الدستور وكان ذلك مبررا ولغاية مقصودة.

 

وما يدعم طرحي بهذا الخصوص أن الدستور الحالي ينص مثلا في الفقرة 3 من المادة 129 منه على أن الإلغاء الذي نصت عليه الفقرة 1 من نفس المادة، والمتمثل بإلغاء دستور 46 وما طرأ عليه من تعديلات، لا يؤثر على قانونية أي قانون أو نظام آخر أو شيء عمل بمقتضاهما قبل نفاذ الدستور الحالي ولم يكتفي بالنص العام الوارد في الفقرة 2 من المادة 128 منه.


في نطاق التشريع، أرى أن الحكومات تتناول التشريعات على اختلاف مستوياتها من قوانين وأنظمة وتطرحها للتعديل أو التغيير باستمرار ضنا منها أنها بذلك تعالج ما يواجه الوطن من تحديات أو لربما لأنه الخيار السهل حيث يُرد أي خلل جزافا إلى التشريعات وبهذا تتفادى الحكومات الدخول في مواجهات وتذهب إلى السهل لا الصعب.

 

لدرجة أننا نجد أن التشريع الواحد أو حتى النص الواحد قد يُعدل في كل حكومة وأحيانا في الحكومة الواحدة عدة مرات. والحقيقة إذ لا انكر أبدا وجود خلل أو قصور في بعض التشريعات لكنه محدود جدا وأثره أيضا محدود جدا إذا ما قُورن بالممارسة والتطبيق فهي موطن الداء الذي لا يعالج إلا بالمواجهة والمتابعة والمساءلة.


جودة التشريعات من قوانين وأنظمة تؤثر على عمل السلطات والمؤسسات وخصوصا السلطة التنفيذية في قيامها بالمهام، والقضائية في البت في القضايا وإصدارها الأحكام والمحكمة الدستورية في النظر في دستورية القوانين والأنظمة وما فيها من أحكام وكذلك الأجهزة الرقابية في تقاريرها بالمخالفات. لذا تنعكس جودة التشريعات مع غيرها من عوامل أخرى على مستوى كفاءة وفعالية عمل هذه السلطات والمؤسسات. ثمة ملاحظات على التشريعات بشكل عام، منها كثرة هذه التشريعات وتشعبها وكبر حجمها من حيث كثرة موادها وطول نصوصها وأحيانا تشتت نصوص الموضوع الواحد في عدة تشريعات. هذا بالإضافة إلى عدم وضوح بعض النصوص أو ضعف المضمون، ناهيك عن تقادم بعض التشريعات وحاجتها الماسة إلى تحديث.


أرى أن يكون القانون عبارة عن أحكام تشكل أطر وضوابط عامة دون الإغراق في التفاصيل وبحجم محدود من حيث عدد المواد وقصر طول النصوص.


قوانين فيها أحكام ونصوص وتفاصيل منها ما يفترض أن يكون في أنظمة، ومنها ما يُفترض أن يكون في تعليمات. 


هناك أنظمة وتعليمات تتضمن أحكام ونصوص لا يُفترض فيها أن تكون بل يُفترض أن تُترك كهامش مرونة لأصحاب القرار. لذا علينا ألا نفرط كثيرا في النصوص حتى لا يصبح عمل المُنفِّذ أو المُطبِّق لها كالآلة بلا إبداع أو اجتهاد بل تُقيده النصوص.


أن تُجمع الأحكام المتعلقة بالموضوع الواحد في تشريع ذلك الموضوع. وأن لا تستخدم عبارة "على الرغم مما ورد في أي تشريع آخر" وإذا كان لابد من ذلك، مع أنني لست مع ذلك، فتستخدم في أضيق حدود لأن كثرة استخدمها يبطل الأحكام في بقية القوانين ويفقدها الترابط بينها وبالتالي تنتفي وحدة القانون وتجانس مواده ونصوصه.


ألا نكثر من التشريع الخاص على حساب التشريع العام. وألا يقل اهتمامنا بالمضمون عن اهتمامنا بالصياغة. وأن نحرص تماما على وضوح النصوص وقابليتها للتطبيق.


التشريعات فيها أدوات قد تفيد وقد تعيق وقد تشجع وقد تحد، فلنجعلها مرجعية تنظيمية لتحقيق الأهداف وسلسة تخلو من التعقيد وتضمن حسن توظيف الموارد المحدودة لما فيه خدمة للصالح العام. لذا عند إعداد واقرار التشريعات يجب ألا تخلو فرق العمل أو اللجان من أصحاب الاختصاص بالموضوع فلا يكفي- مع كل الاحترام- وجود أهل القانون، فللمحتوى والمضمون أهمية لا تقل عن أهمية صياغة النصوص والعكس صحيح. 


إذا كانت مهمة القضاء تتطلب الموضوعية والحصافة والدقة والحياد، فما بالك بما تتطلبه مهمة التشريع التي يستند إلى نتاجها عمل القضاء. 

 

التشريع هو الركن الأول في تحقيق العدالة وركنها الأخر التطبيق، ولهذا نقول دولة "قانون ومؤسسات".

 

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا