رفح.. جردة حساب

بينما نخشى التهجير في معركة رفح المقبلة، فقد تم التهجير الداخلي فعلا في غزة، وبينما نعتقد أن اجتياح رفح سيكون قاسيا، فقد عاشت غزة أسوأ قصف جوي وأعنف اجتياح بربري في التاريخ الحديث، هكذا يشغلنا الإعلام الأنجلوأميركي بالهدف الأعلى لعمليات جيش العدوان وهو في رفح التهجير لمصر، بينما يمارس على الأرض أعمالا مرحلية تؤدي إلى تحقيق ذلك الهدف الأعلى الذي يبدو في آخر الأمر نتيجة مقبولة للجميع، وفعلا بدأت إسرائيل عملية قصف مكثف لرفح يعقبها توغل نوعي لتحرير الأسرى بالقوة. 

اضافة اعلان

 

  بسبب اتفاقيات السلام مع مصر؛ لا تستطيع إسرائيل نشر جيوش جرارة على الحدود المصرية، ومع تهديد مصر علنا بأنها ستلغي معاهدة كامب ديفيد إذا اجتاحت إسرائيل رفح؛ بدأ بايدن يهيئ إعلاميا لعملية عسكرية صهيونية من طراز آخر، عملية ستؤدي حتما لخسائر من المدنيين بسبب الكثافة السكانية العالية الناتجة عن نزوح الغزيين من الشمال إلى رفح، لكن ولأسباب انتخابية بحتة في أميركا؛ يحاول بايدن التبرأ من نتائج هذه العملية سلفا بوضع اشتراطات شكلية وسمجة على نتنياهو.


نتنياهو في «مود انتحاري» سياساً، لن ينقذه منه سوى عودته بطلا من غزة، وهذه البطولة تستدعي قصص نجاح لن تكون- في ضوء فشل الجيش والمؤسسات الاستخبارتية الصهيونية في عملية 7 أكتوبر- بغير تحرير الأسرى عنوة والقبض على قادة حماس أحياء أو أمواتا وكسر ظهر المقاومة المسلحة ورفع يد حماس عن إدارة القطاع، واستبدالها بسلطة مشابهة لسلطة الضفة الغربية المسيطر عليها من قبل إسرائيل. 


ترتبط الأنظمة العربية عموما بمصالح اقتصادية ووجودية مع أميركا، ومن ثم مع إسرائيل على نحو مباشر أو غير مباشر، وتعتقد مجموعة من الأنظمة أن سوء إدارة الملف الفلسطيني من قبل السلطة الفلسطينية الذي يتمثل برفضها لعروض السلام المغرية- وهذا غير دقيق وغير صحيح-، مبررا كافيا لإنهاء ملف القضية بتصفيتها وتحويلها لقضية سكان يعيشون في مساحات محاصرة بشكل تام مثل غزة والضفة؛ ومن ثم قلب الصفحة عن تلك القضية والالتفات لخطط التطوير والتحديث الوطني المحلية.


السلطة الفلسطينية وعلى أهمية وجودها التمثيلي، إلا أنه أمسى تمثيلاً ضد مصالح الشعب الفلسطيني؛ فهو  ستار زمني وفعلي على استمرار الاستيطان في الضفة الغربية الذي تضاعف منذ أوسلو إلى ثلاثة أضعافه، جاعلا أي حل سياسي يستهدف إقامة دولة فلسطينية ممكنا فقط إن كانت هذه الدولة نسخة صهيونية منزوعة السلاح والكرامة والتمثيل وعرضة مستمرة للتصفية وتهجير الفلسطينيين للعالم العربي الشاسع كما يشير قادة الاستيطان النازيين القُدم، ولا أقول الجدد! 


الحالة الفلسطينية السياسية بجميع فصائلها عاجزة عن تغيير واقع القيادة الفلسطينية وذلك بسبب الانقسام وبسبب الصراع على السلطة وتقاسم غنائم الحكم، وهي عاجزة ومرتهنة لدرجة أن حرب إبادة كالتي تجري في غزة لم تحرك ساكنا لقيام حالة وحدة وطنية تنقذ الشعب من الإبادة، وهذا لا يعني بالضرورة أنهم ليسوا براغبين، بل يعني أنهم قطعا بسبب ارتباطاتهم ليسوا بقادرين!


 لقد نسينا أو تناسينا أن إسرائيل مشروع استيطاني إحلالي مستنسخ من تراث الفكر الاستيطاني الأميركي والأوروبي؛ ويقوم على ذات الأسس الفكرية، وأساسها التفوق الحضاري للمستعمر الذي يحوّل الشعوب المستعمرة إلى فئات أقل إنسانية وحضارة، وينصّب نفسه بفوقيةٍ وغطرسةٍ لإعادة هندسة حياتهم بشكل كامل؛ بما يشمل طردهم من أرضهم أو تغريبهم عنها بفرض ثقافة وأفكار الاستعمار على أصحاب الأرض، واعتبارهم عبئا في وجه الحضارة والتمدن، مما يبرر ويجيز إبادتهم وإحلال العرق المتفوق- اليهودي في حالتنا- محلهم، وفي الاحتلال البريطاني للهند وأستراليا وجنوب أفريقيا والفرنسي للجزائر أمثلة كثيرة، أليس تأسيس أميركا نموذجاً حياً لتأسيس إسرائيل؟ وفي هذا السياق يتوضح لنا سبب رفض الخط الصهيوني إقامة دولة فلسطينية للفلسطينيين واستباحة إنسانيتهم وحياتهم وأرضهم. 


غاية القول، إن حرب غزة استعادت الثوابت في الصراع العربي الإسرائيلي، وإن وعياً شعبياً فلسطينياً عربيا عالمياً استعاد زمام المبادرة في توصيف هذا الصراع وطرق حله؛ التي تتمثل في إسقاط مشروع الاستعمار الاستيطاني الكولونيالي في الوطن العربي كافة، وليس فقط على أرض فلسطين.


يبدو هذا تنظيرا عتيقاً وهو فعلا كذلك، ولكنه التنظير الأصيل والصحيح، هل تنتبه لذلك جنابك؟!

 

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا