سطوة الإعلام التقليدي

أحد أهم الدروس والعبر التي يمكن استخلاصها من قضية قتل الإعلامي السعودي جمال الخاشقجي، هي قوة وسطوة الصحافة والإعلام، وتحديدا التقليدي، في قيادة الرأي العام وتشكيل جبهة واسعة ترفض تغييب الحقيقة وتضغط بكل الاتجاهات لكشفها وعدم تمرير الجريمة التي وقعت.اضافة اعلان
عندما أتحدث هنا عن الصحافة والاعلام التقليدي فإني أزعم ان المقصود هنا الاعلام الاميركي وبإسناد من الصحافة الأوروبية وبعض العالمية الأخرى، التي قادت جهودا استقصائية ومهنية كبيرة ومثابرة منذ لحظة اختفاء أخبار المرحوم الخاشقجي بقنصلية بلاده في اسطنبول، وليس انتهاء بما تكشف من حقائق ومواقف سياسية وقانونية على صعيد هذه القضية، والتي يتوقع لتداعياتها أن تتواصل، أيضا بفضل الصحافة والإعلام الاميركي والاوروبي التقليدي المصر على المضي قدما في هذه القضية.
وبعيدا عن تفاصيل الجريمة والاصطفافات التي خلقتها على مستوى السياسيين والدول ومصالحها، فإن ثابتا رئيسيا سيسجل فيها، وهو استعادة الإعلام التقليدي لسطوته وقوته وقدراته على خلق رأي عام صلب والتصدي للسياسيين ورواياتهم التي تحكمها عادة المصالح، وتمكن هذا الإعلام من تحقيق نتائج مختلفة تماما عما سعى اليه السياسيون، خاصة في الولايات المتحدة وإدارة ترامب التي اضطرت أمام عاصفة الإعلام التقليدي إلى مواقف لم تكن تريدها في هذه القضية.
التأريخ لهذه القضية سيسجل لصحيفة "واشنطن بوست" وزميلتها "نيويورك تايمز"، وأيضا لشبكة "سي أن أن"، وبإسناد من صحف اوروبية وعالمية، الدور البارز والكبير في هذه القضية، التي أخذت أبعادا سياسية محلية وخارجية على المستوى الاميركي، وقدرة هذا الإعلام الحر والمهني والذي يمتلك رؤية وقيما واضحة، على دحر الرواية السياسية للإدارة الاميركية وغيرها، والتمسك بكشف الحقيقة وبناء رأي عام أميركي محلي وآخر عالمي لمنع التغطية على الجريمة التي وقعت تحت أية ذريعة أو مصلحة سياسية أو اقتصادية.
الحديث عن استعادة الإعلام التقليدي لقوته وحضوره كمؤثر ومحرك رئيسي للرأي العام والقدرة على إحداث التغيير، التي أظهرتها قضية الخاشقجي يستحق التركيز والدراسة، نظرا لما يسود من نظريات وفرضيات حديثة من تقدم الإعلام الجديد وإعلام وسائل التواصل الاجتماعي بقوة على حساب الإعلام والصحافة التقليدية، في التأثير على الرأي العام وتشكيل وخلق الاهتمامات العامة للناس، فيما لم تتردد مثل هذه الفرضيات والنظريات عن إعلان النعي للإعلام التقليدي والصحافة الورقية أمام القادم الالكتروني والافتراضي الجديد والكاسح، وافتراض أن "المواطن الصحفي" يمكن له أن يكون بديلا عن الصحفي المهني الذي يعمل في وسيلة إعلامية ذات قيم وأسس مهنية ورسالة.
قضية خاشقجي، وما حققه الإعلام التقليدي الأميركي فيها، يعيد للذاكرة سيرة خبطات وحملات إعلامية وصحفية كثيرة لهذا الإعلام، أحدث من خلالها تغييرات جوهرية في السياسات العامة وخدم فيها مجتمعاته وقوانينها وحقوق مواطنيها. وإذا كان ما تحقق إعلاميا في قضية الخاشقجي بات يقارن بما تحقق في فضيحة "ووترغيت" وبقضية كشف زيف التقارير الاستخبارية عن أسلحة الدمار الشامل في العراق لتبرير احتلاله، فإن ثمة ايضا سلسلة طويلة ومفتوحة من الإنجازات والاختراقات التي استطاع الإعلام التقليدي الاميركي والغربي تحقيقها على مستوى حياة الناس وحقوقهم مما لا يمكن عده ورصده بهذه العجالة.
لكن الثابت أيضا في هذا السياق، أن الشرط الرئيسي ليكون الإعلام التقليدي قويا ومؤثرا ولاعبا رئيسيا في الدفاع عن الحقيقة وحقوق الناس وقادرا على مواجهة سطوة السياسيين هو شرط الحرية والاستقلالية لهذا الاعلام، ينضاف إليه طبعا وجود قيم ومعايير قانونية وإنسانية ومهنية صارمة، وهو ما نفتقده –وللاسف الشديد- في إعلامنا العربي، التقليدي وغير التقليدي!!