صفقة غزة: ألغام برسم التفجير

بدا واضحا أن لدى إسرائيل والولايات المتحدة الكثير من المعطيات التي تدفعها للسير في إجراءات إنهاء الحرب في قطاع غزة، والتي تحولت إلى عناصر تفجير تمتد إلى الكثير من الجبهات، وتطال المفاصل الداخلية لدولة الاحتلال. 

اضافة اعلان


فما سعت الولايات المتحدة إلى تحقيقه من خلال "الصفقة" التي حولتها الدبلوماسية الأميركية  إلى قرار من مجلس الأمن حمل الرقم 2735 خدمة إسرائيل ومحاولة إخراجها من كم كبير من المآزق الداخلية والخارجية التي دحرجت نفسها بداخلها. إضافة إلى محاولة تجاوز فترة الانتخابات الرئاسية وما أفرزته أزمة غزة من تبعات قد تؤثر على مجريات العملية الانتخابية.


فالولايات المتحدة لا تمل من التأكيد على انحيازها لإسرائيل مع قناعتها بأن سيطرة اليمين المتطرف على مقاليد الحكم قد أسس لانقلاب عالمي ضد واشنطن، وخروجها عن كل ما تبقى من ضوابط للنظام العالمي. فمشاريع اليمين المتطرف في إسرائيل تنكرت لكافة قرارات الشرعية الدولية. وبات المطلوب من واشنطن أن تدافع عن ذلك التطرف وأن تقاتل إلى جانبه  دون التخلي عن تقديم نفسها كوسيط يحاول إنهاء الأزمة. 


فقد كان على واشنطن أن تعمل على إنقاذ تل أبيب من نفسها، وبالتزامن أن تخرجها من وحل غزة الذي علقت به وأصبح من الصعب جدا عليها التعامل معه.

 

فلا هي قادرة على تحقيق النصر على المقاومة، ولا هي قادرة أن تحفظ بعضا من ماء وجهها أمام العالم. عدا عن الإشكالات الداخلية التي وقعت بها، ومنها عجزها عن توفير الجنود لتشكيل 15 كتيبة جديدة لتغطية خسائرها في الحرب ورفض الحريديم التجنيد، ومواجهة احتمالية اندلاع المواجهات الشاملة على الجبهة اللبنانية، وفي الضفة الغربية المحتلة. 


هذه جملة حقائق يكاد يجمع عليها المحللون الذين راقبوا حجم الورطة التي وضعت حكومة التطرف الإسرائيلية نفسها في داخلها، لأهداف سياسية أحيانا، ولأغراض تلمودية أحيانا أخرى.

 

ولمزيج من العناد والتطرف والخشية من أن تتحول الحرب إلى بداية النهاية لدولة إسرائيل، وهو المعتقد الذي يؤمن به بعض حاخامات اليهود، ممن يعارضون سياسات الحركة الصهيونية، وتؤشر عليه معطيات دولية تمثلت بتراجع التأييد لإسرائيل على المستويات الشعبية في العديد من دول العالم، والذي ترافق مع اعتراف تلك الدول بالدولة الفلسطينية، وتحرك الملايين في تظاهرات تطالب بالحرية للفلسطينيين وتركيز ذلك التحرك بفئات الشباب الذين تغيرت مفاهيمهم حول إسرائيل. 


من هنا، تتوقف قراءات للمشهد عندما يمكن أن يكون" ألغاما" قابلة للتفجير في أية لحظة بين ثنايا مفردات الصفقة التي ترجمت إلى قرار لمجلس الأمن الدولي الذي صدر بموافقة 14 دولة وامتناع دولة واحدة عن التصويت. حيث جندت الإدارة الأميركية كافة أركانها للحديث عن أن القرار مقترح إسرائيلي، وأن حكومة التطرف هي صاحبة ذلك القرار، وأن المطلوب هو الضغط على المقاومة من أجل قبوله. وأن الخيارات أمام المقاومة محدودة جدا، فإما القبول بالقرار وتنفيذه وإما استمرار الحرب. 


في المقابل لم يرد ما يفيد بتبني إسرائيل للصفقة التي تحولت إلى قرار، بينما تواردت تصريحات رئيس حكومة التطرف وبعض أركان الحكومة بأنهم لن يقبلوا بأهم عنصر من عناصر الصفقة والمتمثل بوقف إطلاق النار. 


وتدريجيا صورت إسرائيل ومعها الولايات المتحدة "الصفقة" بأنها تهدف إلى إطلاق سراح الأسرى، مع احتفاظ الكيان بما يعتقد أنه الحق في تحريرهم بالقوة استنادا إلى ما حدث في منطقة النصيرات عندما تمكنت وحدات مشتركة من " بلاك ووتر" والكوماندوز الأميركي والبريطاني والإسرائيلي من تنفيذ عملية كانت نتيجتها مقتل مئات المدنيين الفلسطينيين، وثلاثة أسرى مقابل تخليص أربعة أسرى. 


ففي تفاصيل الصفقة، كم من الألغام التي يمكن لإسرائيل استخدامها في الوقت المناسب من أجل العودة إلى الحرب. فالمفاوضات ليست محددة بوقت، ووقف إطلاق النار يكون مستمرا ما دامت المفاوضات مستمرة. 


أما الأسئلة التي تطرح بإلحاح في هذا السياق، فتتراوح ما بين التشكيك في النوايا الأميركية المنحازة إلى إسرائيل، وما إذا كان هناك شيء يمكن أن يمنعها من الانقلاب على بنود الصفقة أو تفسيرها بـ" عنجهية" وتعسف، فيما إذا رأت أن أمرا ما يخدم الاحتلال. خاصة إذا ما تغيرت الظروف والمعطيات وتحللت واشنطن من تعقيدات الانتخابات، أو تغيرت الصورة داخل تل أبيب. 


ما يطمئن في هذا السياق أن المقاومة مدركة لكل تلك الأمور، وأنها لن تغفلها أثناء المفاوضات التي يعتقد أنها ستكون شاقة وطويلة الأمد. وفي سياق مواز ما تؤشر عليه الصفقة بمجملها من اعتراف ضمني بأن إسرائيل لم تحقق أيا من أهدافها المعلنة "تحرير الأسرى، وتدمير حماس، وتغيير وجه غزة" منذ بدء الحرب.

 

وأن الكفة تميل لصالح المقاومة في مقاييس النصر نسبة إلى تلك الأهداف. 

 

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا