في العودة لجوهر القانون


في بدايات البحث عن الحق والحقيقة، في الطريق نحو القانون والبحث معمقا في فلسفته وولادته ونشأته، وكيف يضع الأمور في نصابها ويعيد للحياة انتظامها، والأساس الفكري والإنساني الذي شيدت عليه القوانين ابتداء، في هذه البدايات تعلمنا العودة إلى أصل الأشياء كلما بعدنا عن مركزها، كان الدرس القانوني الأول أن المدخل إلى علم القانون ليس مجرد مادة أو مساق جامعي لاستكمال متطلبات الدخول الى مواد أخرى هي أكثر تعقيدًا، بل هي المادة التي ستبقى نعود إليها لزاما كلما ساهم الإنسان بأدواته في أن ينأى بنفسه بعيدا عن فلسفة القانون وجوهره  والغاية من نشوئه اعلاءً لاعتبارات أخرى قد يراها أهم وأجل وأكثر استحقاقًا. 

اضافة اعلان

 

  القانون وفكرة الحق والحقيقة وما بينهما والعدالة والشعور بمضامينها، هذه المفاهيم التي انتابها الغموض والشك والتأويل والنسبية في آن واحد كلما تعقدت مفاهيم الحياة، تتطلب بين الحين والآخر وقفات مع مجموعة من التأصيلات الفلسفية  والفكرية، قد يكون أولها ما يشير اليه الفقيه منذر الشاوي في فلسفة القانون بأن العدالة في جانبها الإنساني هي الأخلاق، فلا عدالة بدون أخلاق أو قيم أخلاقية؛ لذا فإن القانون المتوافق مع روح العدالة يقيم علاقات مسالمة وانسانية بين الأفراد والقانون الوضعي هو المرشد لدربنا والمصحح لنزعات الإنسان الضارة، فالقانون في هذا التصور سيحدد مساحة ما هو ممنوع ويضمن الأمن للتصرفات الصحيحة حين لا يمس الحرية الإنسانية ويقتصر على ردع الأفعال المذنبة، وحين يوسع القانون ميدان المتاح فإنه سيمكن كل فرد من أن يتصرف وفق ضميره ويدع الأخلاق تقوم بدورها الكامل. 


ويستكمل بأن الأخلاق حين تقترن بالقانون فإنها تعطي القانون صفة المثل الأعلى؛ أي ما يجب أن يكون عليه الإنسان أخلاقيا، بمعنى ما يجب أن يكون عليه الإنسان كإنسان فيما يريد وفيما يتصرف، وعندها يخرج سلوك الفرد من دائرة السلوك المعتاد ليدخل دائرة أنسانية القانون وبالتالي يدخل في دائرة إنسانية التصرف الإنساني، فلا يمكن أن يكون الإنسان عادلًا وهو في منأى عن الأخلاق.


في سياق متصل يشير عدنان نعمة في مؤلفه حول العدالة والانصاف بأنّ فكرة العدالة والانصاف كامنة في الذات الإنسانية وهي التي تشكل الإرادة المتحركة لإيصال الحق الى صاحبه، ولا يمكن بأي حال فصل العدالة والانصاف عن الاخلاق ؛ ذلك أن العدل وعاء اخلاقي. وهو الأمر ذاته الذي بنى عليه الفيلسوف اليوناني ارسطو فلسفته القانونية عندما أرسى المبدأ القائم على أنّ القوانين هي تعبير عن العدالة والانصاف.


الابتعاد عن جوهر الاشياء سبب شقاء الإنسان والإنسانية على حد سواء، كلما ابتعدنا عن جوهر الدين، كلما ابتعدنا عن جوهر القانون، كلما ابتعدنا عن جوهر الوجود، كلما طغت الامور التفصيلية وصغائر الأمور فأنستنا اصل الاشياء وجوهرها. في القانون كان جوهر النشأة حماية فكرة الأخلاق وصونها، وكان السعي نحو الحقيقة والحق هدفا وغاية ولو بقي الإنسان ملتصقا بجوهره هذا لنجح الإنسان في بناء علاقات إنسانية مجردة مسالمة، ولبقيت الإنسانية غضةً نقيةً في نفوس أصحابها.

 

للمزيد من مقالات الكاتبة انقر هنا