كلام لا يقال

سميح المعايطة الوصف الأكثر دقة في خطة التحديث السياسي أنها ستؤدي بعد سنوات ليست بعيدة جدا إلى تغيير في تفاصيل مهمة في النظام السياسي الأردني من حيث طريقة تشكيل مجلس النواب وانتخابه وطريقة تشكيل الحكومات إضافة إلى سيطرة حزب أو ائتلاف على مواقع مهمة في الدولة، فهل هذا متاح وآمن وممكن؟ أن يكون هناك أحزاب فهذا ليس جديدا على الأردن منذ إنشاء الإمارة إلى اليوم مع تغير في المراحل السياسية وانعكاس على العمل الحزبي إن كان سريا أو علنيا أو تحت سقف القانون أو محظورا لكنه موجود. والتجربة الأهم في تاريخ الأردن التي كان فيها الذهاب إلى تغيير في تفاصيل مهمة في النظام السياسي كانت منتصف الخمسينيات عندما شكلت أحزاب الأغلبية البرلمانية الحكومة، وكانت تلك الفترة قلقة على صعيد القضية الفلسطينية، وأيضا خريطة أعداء الأردن كانت واسعة في محيطه العربي وأقرب الدول إليه جغرافيا. تلك التجربة لم تستغرق وقتا طويلا لأسباب عديدة، لكن العنوان الأبرز أن الدولة ومؤسساتها المفصلية ترسخ في ذهنها تجربة سلبية من مسار تسليم السلطة التنفيذية للأحزاب، أي غاب الاطمئنان على استقرار النظام السياسي ومكانة مؤسسة الحكم من ذلك الوقت وإلى الآن. اليوم هنالك أحزاب قائمة يفترض أن تكيف أوضاعها وفق القانون الجديد، وأحزاب جديدة تحاول القول إنها أحزاب يمكن أن يعبر من خلالها الأردن إلى مرحلة الحكومات البرلمانية، وقبل هذا وبعده هنالك رغبة وجدية عند الملك لإنجاز مسار سياسي إصلاحي، وهناك المواطن الذي جاءته قضية الإصلاح السياسي بينما أولويته الأولى الاقتصاد والمعيشة ولديه قناعة سلبية تجاه العمل الحزبي وجدواه، وهناك مؤسسات مفصلية في الدولة مستجيبة لأمر الملك ورغبته في إنجاز التحديث لكن لديها تجربة سلبية وتبحث عن ضمانات لتحقيق الأمان من أي استثمار سلبي لفكرة الحكومات البرلمانية الحزبية وأخذ البلد إلى طريق غير مأمون العواقب. هذا هو الوصف الحقيقي للحالة التي نمر بها، ومهما تم بناء الهياكل للحكومات البرلمانية الحزبية دون بعث الاطمئنان لدى مؤسسات مفصلية وطنية بأننا لن نكرر تجارب لها في ذاكرة الدولة وقع سلبي فإننا لن ندخل إلى مسار مكتمل الأركان، وما نقوله ليس هواجس بل هو شرط حقيقي لاستكمال بناء مرحلة التحديث السياسي. أما كيف نحقق الأمان السياسي من الخطوات القادمة فهذه عملية فيها تفاصيل كثيرة، والقصة ليست مع حزب معين بل هي مع حالة تصيب حزبا أو فردا يشعر معها أن مفاتيح الدولة بيده وأنه يملك أغلبية في الشارع أو البرلمان، ونتذكر قبل سنوات خيالا سياسيا لدى أحد زعماء الأحزاب أنه سيملك أغلبية في البرلمان القادم لكنه في تلك الانتخابات فاز وحده من حزبه، حدث هذا دون أن يكون هنالك حكومات برلمانية أو حزبية. إن المنطق يقول إن علينا أن نتعامل مع كل العوامل التي يتم الحديث أو لا يتم قبل أن نذهب إلى تجربة قد لا تكون أكثر من تجربة شكلية. ما كان من تعديلات دستورية خلال هذا العام جزء من ضمانات ألا تذهب المرحلة المفترضة بالدولة إلى مسار غير آمن، لكن هناك حاجة إلى أمور أخرى لا توفرها التشريعات مهما كانت. المقال السابق للكاتب  للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنااضافة اعلان