لا تعليم يعلو على التعليم عن قرب

لقد شكّل هجوم فيروس الكورونا على العالم أجمع، أهم اختبار للبشرية في العصر الراهن. لقد زلزلها دولاً وشعوباً وأفراداً وكشف عن ثغراتها وعيوبها في الإدارة والصحة والطب، ولعلّ حظر التجول الشامل والطويل الذي فرضه على الناس كان أبرز ما فعله بهم وباقتصادهم وتعليمهم وسياحتهم، ومن الطبيعي أن يؤدي هذا التحدي إلى استجابة. والاستجابة في التعليم كانت وقف ذهاب الأطفال إلى المدرسة، والطلبة إلى الجامعة، واللجوء إلى التعليم عن بُعد. والسؤال: هل يحل التعليم والتخرّج عن بُعد محل التعليم والتخرّج عن قرب في المدرسة والجامعة أم أنه لا بديل عنهما؟ مثلما كشف الوباء عن الثغرات والعيوب في دول العالم المختلفة، كشف الوباء كذلك، ولكن بصورة غير مباشرة عن ثغرات وعيوب التعليم عن بُعد الذي تم اللجوء إليه كبديل للتعليم عن قُرب. إنه يحرم الأطفال من النمو السوي الجسدي والنفسي والعقلي والاجتماعي، بتحويل البيت أو الشقة إلى ما يشبه الزنزانة، والبلد كلها إلى ما يشبه السجن، فالأطفال بحاجة إلى أطفال آخرين من أعمارهم ليلعبوا معهم، ويصادقوهم ويغالبوهم، وليكوّنوا فرقاً وشللاً وذكريات وصداقاتٍ تشكل شخصياتهم في هذه المرحلة، ما دامت المدرسة لا تتصرف كمركز اعتقال نهاري للأطفال، فالطفل/ الإنسان مدني بالطبع، أي أنه كائن اجتماعي بطبيعته، والمجتمع للطفل / الإنسان، كالماء بالنسبة إلى السمك. وقد يؤدي استمرار هذا النهج أي بالتعليم عن بُعد إلى تآكل جسمي ونفسي وعقلي وتصحّر اجتماعي. كما قد يجعل الطفل خاملاً. وقد يؤدي حصر التفاعل بين الأطفال والوالدين إلى قرف وعصبية من وعلى بعضهما، وربما إلى إحساسهم بالتوتر الدائم والشقاء المقيم. وعندما يكبر الأطفال ويخرجون إلى الحياة العامة والعمل، فإنهم سيبدون ناقصين مرحلة أساسية من تكوينهم، وفقراً في ذكرياتهم وصداقاتهم. سيبدون غرباء لبعضهم البعض. أما بالنسبة لطلبة الجامعة الذين التحقوا أصلاً بالمدرسة فإن التعليم عن بُعد أقل خطورة عليهم، لأن طلبة الجامعة يستطيعون التعايش مع هذا التعليم، ولكنه سيحرمهم كذلك من ذكريات وصداقات فترة الفتوة والمراهقة والأصدقاء والزملاء، وما يعلمه التفاعل الاجتماعي لهم. التعليم عن بُعد وسيلة عظيمة من وسائل التعلّم والتعليم، ويجب أن يستخدم كذلك فيستخدمه المتعلم منفرداً بامتلاكها، أو تستخدمه المدرسة والجامعة لتعليم مساقات معينة، أو للاستماع إلى محاضرة معينة عن بُعد في حالة نقص المعلمين والمعلمات أو المدرسين والمدرسات أو الأساتذة والأستاذات الأكفاء لتعليم أو تدريس مادة معينة أو مساق معين. من مصادر خارجية بعيدة. بعبارة أخرى، يمكن جعل هذا التعلّم يتم عن قرب والمعلم/ة أو المدرس/ة أو الأستاذ/ة اللازم يعلمهم عن بُعد، أي وهم في غرفة الصف في المدرسة أو التدريس في الجامعة. بهذا الترتيب نجمعُ بين التعليمين ونحدِثُ تكاملاً بينهما، بالجمع بين البعد الاجتماعي بالتعليم، والبعد التكنولوجي بالوسيلة، أي بالتوفيق بين التعليم عن بُعد والتعليم عن قرب. ولعل هذا التوفيق أو التكامل هو الذي يدفع الجميع في كل بلدان العالم بما في ذلك مدارس بيل غيتس - مؤسس مايكروسوفت- إلى إعادة فتح المدارس والجامعات، وعودة الأطفال والطلبة إليهما. لم نسمع ولم نر دولة في العالم تفكر بإلغاء التعليم عن قرب، لأنه لا يوجد تعليم يعلو عليه.اضافة اعلان